المطرب الملحن عبد الوهاب ببغداد سنة 1932م

طارق حرب

طارق حرب

زيارات نجوم الموسيقى والطرب لبغداد وخاصة المشهورين منهم بدأت في ثلاثينات القرن العشرين بزيارة سيدة الغناء العربي أم كلثوم وسيد الغناء وخير من لحن موسيقى بعض الاغنيات محمد عبد الوهاب فمن منا على الاقل من كان بعمرنا لا يطرب لغناء عبد الوهاب وتلحينه في آن واحد لأغاني الكرنك وكيلوباترا والجندول ولاتكذبي عندما لحنها فغناها عبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة والعديد من المطربين من الدول العربية ولما غناها ملحنها كان صوته بأفضل من جميع من غناها ومن ينسى أغانيه جبل التوباذ (ما لأحجارك صماً كلما هاج بي الشوق أبت أن تسمعا) واغانيه (باتوا في الليل سكارى فأفاقوا قبلنا آه ياليتهم قد عرفوا الحب فبكوا مثلنا) و(كل ده كان ليه لما شفت عينيه) و(كيلوباترا أي حلم من لياليك الحسان) وغير ذلك كثير وفي اليوم الاول من الشهر الرابع شهر نيسان 1932 وعندما كان نوري باشا السعيد رئيس وزراء وصل الفنان محمد عبد الوهاب الى بغداد ذلك انه لم يزر بغداد الا مرة واحدة هي في الموعد السابق على الرغم من انه توفي بعد هذه بما يقارب ستين سنة حيث كانت وفاته سنة 1991م وكانت زيارته لبغداد بمناسبة اقامة المعرض الصناعي الزراعي اذ أقامت الجمعية الزراعيه الملكية برعاية من الملك فيصل الاول هذا المعرض لبيان النهضة الزراعية والصناعية والعلمية التي يشهدها العراق وساهمت الوزارات في المعرض وقد أختيرت بناية الجمعية المذكورة والاراضي المجاورة لها موضعاً لاقامة المعرض وكان ذلك في منطقة باب المعظم.
وقد افتتحه الملك فيصل الاول في الاول من نيسان 1932م وفي هذا المعرض بني مسرح بسيط للحفلات الغنائية التي سيقدمها المطرب الموسيقار محمد عبد الوهاب وكان ذلك في بداية سطوع نجم عبد الوهاب عربياً ذلك انه من مواليد سنة 1904م ولم يكن الاعلام منتشراً بالشكل الموجود في هذه الايام وفي الحفلة الاولى التي أقيمت في اليوم الاول من أيام المعرض غنى قصيدة ياشراعا التي كتب كلماتها الشاعر المشهور أحمد شوقي وفي أيام المعرض التالية بعد أن غنى هذه القصيدة في حضرة الملك فيصل الاول غنى عددا من مشهورات أغنياته منها يا جارة الوادي والهوى والشباب وظبية الوادي وأنا أنطونيو وبعض أدواره المسرحية التي غنى لها أو أنشد اذ كان الانشاد والغناء من لوازم المسرح في تلك الفترة ولكن مما يلاحظ عليه ان اقبال الجماهير البغدادية على الحضور والاستماع لم يكن بالمستوى المطلوب بل كان ضعيفاً كون عبد الوهاب لم يصل الى الشهرة التي وصلها بعد ذلك كما ان ثمن بطاقة الدخول كان مرتفعاً اذ كان السعر من خمس روبيات الى عشر روبيات وكانت الروبيه تساوي 75 فلسا وكان الراتب الشهري للموظف العادي لا يزيد على عدد من الروبيات لا سيما وان الظروف الاقتصادية العالمية في فترة ركود اقتصادي يضاف الى ذلك انحدار البعض مع دعوات الملا عبود الكرخي السخيفة حيث كان ينادي بمقاطعة الفن المصري بجميع أشكاله من باب الوطنية .
ولكن بعد مدة قليلة ذاع صيت محمد عبد الوهاب وعشق الناس غناءه حتى انه بعد أربع سنوات من هذه الحفلة لم تتحمل سينما الرافدين البغداديين الذين تدفقوا عليها بكثرة غير مشهودة لرؤية فيلميه الوردة البيضاء ودموع الحب حتى قيل ان الكسر والاتلاف كان مصير جميع الواجهات الزجاجية للسينما وقد تحدث عبد الوهاب الى احدى المجلات المصرية بعد سنوات عن زيارته لبغداد ذاكراً دعوته للغناء في القصر الملكي بحضور الملك فيصل الاول وعدد من الوزراء وكبار الموظفين في بغداد حيث أنشد قصيدة يا شراع دجلة يجري وكيف ان الملك كال له المدح والثناء والشكر والاطراء مما أثر في عبدالوهاب باعتبار الذات التي صدر منها الثناء ويروي للمجلة المصرية حادثة ثانية عند زيارته لبغداد وهي عطل السيارة التي يستقلها في الصحراء الغربية بالطريق الى سوريا وتوقف السيارة لحين اصلاح العطل واستغرق الاصلاح فترة ليست قليلة وعند تجواله في السيارة مع أحد الموسيقيين من فرقته حيث سارا على غير هدى بسبب الملل الذي أصابهما حتى فاجأهما في جوف الصحراء اثنان من اعراب البدو الذين كانا يحملان السلاح حيث توليا المناداة عليهما (من انتما) بشكل ينم عن الشر وأراد عبد الوهاب أن يخفي اسمه مخافة اعتقاد الاعرابيين انهما يحملان كثيرا من المال لكن الموسيقي صاح بأن هذا الذي تكلموه هو الموسيقار والمطرب المصري المشهور عبد الوهاب وكان هذا التعريف وراء تغيير الملامخ للأعرابيين حيث تبين انهم سمعا عبد الوهاب قبل ذلك فقالا: أنت قيس التي تغني على ليلى اذ كانت أغانيه في مسرحية ليلى وقيس معروفة بشكل كبير وأكملا قولهما بأنهما قد سمعاه كثيراً ( بالحضر)أي في المدينة من خلال آلة التسجيل حيث أكرم الاعرابيان عبد الوهاب وصاحبه بالطعام مما ادى به الى أن يغني لهما بعض أغانيه الرائعة مقابلا لجميل ما قدموه له .
وقد استمرت لسنوات موضع المعرض الذي أنتهى كحديقة تزين منطقة باب المعظم في زمن لم تكن في بغداد حدائق لذ أقيمت بعد ذلك حديقة غازي نهاية شارع غازي أي شارع الكفاح الحالي وساحة التحرير الحالية وأضىحى مكان المعرض الذي بالضبط يمثل الجهة اليمنى للذي يذهب الى الرصافة عن طريق جسر باب المعظم مقابل مدينة الطب حيث تحولت الحديقة الى بناية لوزارة الخارجية ووزارة الاوقاف الحالية وهكذا انتهى الاثر الذي صدح به عبد الوهاب موسيقى وغناء ً.

About alzawraapaper

مدير الموقع