المشهد القادم من مسرحية التقسيم

احمد الجنديل

احمد الجنديل

التصريحات تتكاثر عند كل صباح ، والألسن تتمطى بطريقة مُدهشة ، والسياسيون على امتداد الأرض المباركةالتي تسمى بلاد الرافدين يدخلون إلى الفضائيات ويخرجون منها ، مثل لعبة ميكانيكية استهلكت بطارياتها ، والجميع لا شغل له ، ولا شاغل لديه سوى الشعب وتقرير مصيره .
نشرات الأخبار الصباحية والمسائية تعلن لنا مقتطفات من خطابات أولي الأمر ، وهم يتباكون على مصير شعوبهم .
اجتماعات متلاحقة ، ومؤتمرات متواصلة ، وبرامج مكثفة تُختتم دائماً بالتوصيات التي من شأنها حق تقرير مصير المكونات .
انتخابات واستفتاءات ، وصناديق اقتراع ، ومفوضيات ، ولجان أممية وإقليمية تتحدث عن أهمية المواطن في تقرير مصيره في بلد عاش الجميع تحت خيمته ، وشبع من خيراته ، وعانى من أعدائه ، وعلى أرض منحت بركاتها للجميع دون ان تنحاز الى دين أو طائفة أو قومية ، فالجميع أبناء هذه الأرض .
مليارات تديرها مؤسسات متخصصة بالتمويل ، وأخرى بالإنفاق ، وماكينات إعلامية تدور على مدار الساعة مهمتها الترويج ، وطبخ الخطاب السياسي الساخن ، وتقديمه شهياً إلى الشعب من أجل تقسيم بلده وفق مبدأ هذا لك وهذا لي .
سجون ، ومعتقلات ، وتعذيب ، وإقصاء ، وتهميش ، واغتيالات تبدأ بالشعب وتنتهي به من أجل أن يكون مشروع التقسيم في خدمة أعداء العراق وشعب العراق ومستقبل العراق .
أموال مهربة ، وعبوات ناسفة ، وسيارات مفخخة تفتك بالشعوب تحت شعار حمايتها وازدهارها ودفعها الى منطق القسيم والاستقلال ما دامت الأمور وصلت الى طريق مسدود .
حروب طائفية يديرها خنازير التطرف أكلت الأخضر واليابس في عموم البلاد ، وسيناريوهات عجيبة غريبة خلفت وراءها فيالق من الأيتام والأرامل بحجة حماية الشعوب ، والدفاع عن مصالحها ، والانتقال بها إلى الحياة الحرة الكريمة من خلال شعارات التقسيم والانفصال .
ومع كل فصل من فصول مسرحية تقسيم العراق وفق مصالح الدول الكبرى ، يتلقى الشعب صفعة تدفعه إلى كهوف الفقر والجهل والإهمال ، ومع استمرار هذه المسيرة ابتداء من منبعها ووصولا إلى مصبها ، يسحق الشعب تحت عجلات النهب والفساد والفوضى ، ولم يبق له سوى عالم غارق بشتى صنوف الخيبة والإحباط .
ومع استمرار عرض الأدوار على مسرح الحياة ، أدمن الحكام العزف على أوتار الشعوب ، وأدمنت الشعوب على حياة الانكسار والتبعية .
لم يكن العزف على وتر الشعوب حديث الولادة ، ولا من نتاج حاكم دون آخر ، ففي هذا البلد المترع بالخيرات ، العريق بانتمائه إلى التاريخ ، كان الخطاب يخرج من فم الحاكم دون جهد ، ويسقط على رؤوس الشعوب مباشرة ، إلا أن ما حصل من تطور في وسائل الإعلام ، وسرعة الاتصالات ، وتتابع الأحداث ، واتساع شدة الصراعات ، جعل لغة العزف تأخذ مساراً آخر ، وأصبحت شعارات التقسيم مطلبا وطنيا لابد من تحقيقه ، وأصبحت كركوك المشهد القادم في مسرحية تقسيم العراق الذي سيكون امتحانا عسيرا لكل العراقيين دون تمييز ..
إلى اللقاء .

 

About alzawraapaper

مدير الموقع