المحلية التي ترتقي الى العالمية.. قراءة في ثلاثية الحريزي السردية

زيد الشهيد
في سردٍ غلبت عليه اللهجة العامية كتأكيد منه على المحلية التي تتشبث بالأرض والمجتمع وتتساوق مع الاحداث بمجرياتها اللاهبة التي لا تنتهي انتج الروائي والناقد حميد الحريزي ثلاثيته الروائية ( العربانة ، كفاح ، البياض الدامي ) ليضع نفسه مع متوالية الكتَّاب الذين سردنوا التاريخ وقدموا أعمالاً اتجهت اليها الذائقة القرائية برغبة عالية واندفاع مقرون بحماس لنهل ما يمكن نهله من اسلوب اختطه اولئك الكتاب وقدموه مائدة تدوينية شهية .
الخطاب الروائي والحوارية
يتوخى الخطاب السردي اجراء حوارية تفاعلية بين ذات مُرسِلة وأخرى مُستقبِلة يتجسد فيها هذا الخطاب حياة ذات كينونة يراد لها أن تكون بهوية تحمل مواصفات التأرخة التي تتحول الى وثيقة أو مجموعة وثائق تستحيل كنزاً معرفياً للأجيال .. ومن هنا تقع على الذات المرسِلة مسؤولية التوجه إلى الآخر بصدق مصحوب بمحاولات الاقناع لئلاً تصبح الرسالة / الخطاب نوعاً من العبث وتصوير المرسِل نفسه شخصاً يخوض في عَماءٍ ، ولا جدوى . وهذا ما ادركه الروائي حميد الحريزي ، فانبرى يقدم خطاباً يتساوق وذائقة القراء بمختلف المستويات الثقافية ويتولى الكتابة بروح بانورامية تتناول الاوضاع السياسية التي عصفت بالبلاد إبان الخمسينات حتى نهاية التسعينات ونشاط الاحزاب التي كانت تتصارع مع احزاب السلطة وتتلقى الملاحقة والعذاب والعسف ، ويقع تحت طائلة هذه الممارسات غير الانسانية كثير من الأبرياء الذين ليس لهم انتماءات سياسية معارضة او اغراض للإضرار بهيكلية الحكومات مثلما جرى لمظلوم دايخ بائع اللبلبي المتجول الذي هجر قريته وقدم الى المدينة حالماً الحلم العظيم في العيش بكينونة حضرية تنهي المعاناة جراء هيمنة الاقطاع في ريف مستباح فسُحِب بعدما دمرت عربة اللبلبي وسيلة عيشه ، وجُرَّ الى الاعتقال بتهمة انتمائه لحزب محظور ، هو الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة .
الثلاثية .. سلسة احداث
يبدأ استهلال الجزء الاول من الثلاثية ( محطات ) بمشهد تعبيري عن ساعة انفلات عقال الدولة والخروج من سيطرتها وقبضتها الفولاذية المحكمة . وفي المشهد يوجه صانع الخطاب عين سرده الى الشخصية الاولى في المشوار الروائي : المتسكع بالأسمال إذ نكتشف أنه « الدكتور كفاح» ، ثم الشخصية الثانية « الدكتورة أحلام « التي كانت يوماً ما مغرمة به دون ان تعرفه ؛ إذ كانت تقرأ له وترجوه في لحظة لقاء معه كي يدلها على كفاح ، الاستاذ الاكاديمي الناقد الذي يقطع لها وعداً للالتقاء به … وبعد عدة صفحات نكتشف أن كفاح القي القبض عليه في العام 1991 وغيب حتى سقوط النظام فوجدته أمه وهو في حالة جنون لتعلمنا أنه « غادر البيت في العام 1978 إلى جهة مجهولة لم نعرفها الا بعد زيارته المفاجئة لنا في 1991 للمساهمة في انتفاضة آذار بعد أن كان مع رفاقه من ثوار الاهوار .» ص52 .. يتسكع كفاح ( الذي سنعرف ان اسمه الحقيقي مطشر ابن مظلوم دايخ ، الفلاح الذي كانت تضمه قرية « أم حلانة « المتكئة على « شط العزامية « في المشخاب التابعة لقضاء النجف ) بملابسه الرثة في احياء بغداد ويستقطبه شارع المتنبي حيث يشاهد الكثير ممن كان يعرفهم من الادباء ، فيهم الاديب المتمكن من ادواته وفيهم المتطفل على الادب فلا يبحث الا عن الشهرة .
ينتقل صانع الخطاب لتسليط الضوء على مظلوم دايخ الشخصية التي تأخذ حيزاً كبيراً من الخطاب ، فيعود بنا الى هجرته لمدينة النجف بلا مهنة لها اعتبار يمتهنها في المدينة ، فيضطر الى بيع اللبلبي بعربانة متواضعة وفَّرها له رجل كريم ورحيم . وكان سعيداً لعمله على بساطته لولا ان يتعرض للاضطهاد لا لشيء الا لأنه عامل يواجه مشتري بضاعته بالسلام الواسع والتحية العريضة ، وكان منهم « منير « المعلم الذي يتوقف عنده ليشتري « كيساً من اللبلبي « ويتحادثا لبعض الوقت حديث الود والرحابة الانسانية ماراً على احداث مؤلمة منها احداث 1948التي تشير الى اعدام وقتل عدد من المتظاهرين الذين نزلوا الى شوارع النجف منددين بالسلطة القمعية التي اقدمت على ذلك الفعل المريع .
وفي هذا الجزء من الثلاثية يسلط صانع الخطاب الضوء على الكثير من الاحداث والممارسات الاجتماعية : التظاهرات ، تناقل الاخبار وتحليلها ، الثأر العشائري ، الانتخابات وتشكيل الحكومات .
ويدخل المتلقي الى الجزء الثاني ( كفاح ) حيث ينتقل مظلوم دايخ إلى بغداد للعمل صحبة صديقه واثق الذي زين لن له العيش والعمل في العاصمة تحت اسم « غضبان « وليس « مظلوم « حتى لا يُستدل عليه من قبل شرطة النظام . وجه مظلوم ليكون عامل مطبعة يتعامل مع الحروف الرصاصية ؛ ومن هذا التعامل تعرف على اسماء قادة شيوعيين كماركس ولينين وانجلس وستالين مثلما تعرف على الرأسمالية والاشتراكية والادب الواقعي ، على الرواية والقصة والشعر بنوعيه العمودي والحر ، على القرامطة وثورة الزنج … وينمو الوعي لدى غضبان/ مظلوم فيتعرف على افكار الشغيلة ونضالهم العالمي ، ويروح من ناحيته التحدث عما يلاقيه الفلاحون في الارياف والقرى من ظلم الاقطاع وجور السراكيل .. ويسعى صانع الخطاب الى كشف كثير من المنعطفات والاحداث التي مرت بها البلاد في نهاية الخمسينات ومجيء الجمهورية ، والحركات الانقلابية التي واجهها النظام الجمهوري التي انتهت بانقلاب شباط 1963 ومقتل عبد الكريم قاسم بمأساوية ، وممارسات الحرس القومي وملاحقتهم للشيوعيين من اجل الفتك بهم .
ويبدأ استهلال الجزء الثالث ( البياض الدامي ) بانتهاء حكم البعثيين في تشرين 1963 واعفاء رئيس الوزراء احمد حسن البكر واستبداله بطاهر يحيى وتجريد الحرس القومي الميليشيا العسكرية لحزب البعث . ويستمر تسليط صانع الخطاب ضوء كلماته على « مظلوم دايخ « الذي استطاع العمل في بستان عند اطراف العاصمة من اجل الاستمرار في العيش والنضال من أجل الحزب الشيوعي الذي انتمى اليه . وكان الحنين يتنامى في قلبه لزيارة مدينة النجف وقريته في المشخاب مستعيداً ذكرياته وطريقة عيشه البسيطة … ويستطيع المتلقي التعرف على احداث امتدت طوال فترة الستينات لعل منها سقوط طائرة عبد السلام عارف في نيسان 1966 ، والانشقاق الذي جرى للحزب الشيوعي وتشكل لجنتين :» اللجنة المركزية « و « والقيادة المركزية « ، وانقلاب تموز 1968 وعودة البعثيين من جديد لتسلم السلطة … ويركز صانع الخطاب في النصف الثاني من الجزء الثالث على شخصية « كفاح « الذي غدا كاتباً واكاديمياً مرموقاً، وشخصية « الدكتورة أحلام سلام الريان « التي جاءت نقلا الى بغداد من البصرة فتعارفا وعقدا قرانيهما وعاشا عاما سعيداً جوبها بعده بمنغصات السلطة ومحاربتها لهما فتوارى كفاح في العام 1978 بعد تسلم صدام لمقاليد الحكم وقيامه بحملة ملاحقة الشيوعيين في حين تم اختطاف احلام وهي في طريقها الى الجامعة .إن ثلاثية الحريزي التي تشكل لبنة من لبنات السرد العراقي اختطت مساراً سياسياً وعرضت جانباً من جوانب مسيرة حزب حمل لواء التثقيف والدعوة لبناء نظام اشتراكي أممي ، وكان صانع الخطاب منحازاً له متجاوزاً الحيادية في العرض والطرح .

About alzawraapaper

مدير الموقع