“المثقفَ القلِق- ضد ”مثقف اليقين”

خالد الحروب

خالد الحروب

«المثقف القلِق» هو التمثل الأكثر نضجاً للمثقف الناقد، فهو من ناحية إمتداد له في منهجية النقد والتفكيك والتقويض، لكنه يختلف عنه بإتصافه بسمتين اساسيتين: اللايقين واللاتمركز. اللايقين يعني عدم التمسك الصارم بالأفكار سواء المُتبناة من قبله او التمسك الصارم بنقده الافكار التي ينقدها، والمحافظة على التحرر من اليقينيات. أما اللاتمركز فيعني عدم الإرتكان إلى زاوية (نظرية او فكرية او ابستمولوجية) ثابتة وجامدة في رؤية الأشياء. اللايقين واللاتمركز يتيحان للمثقف القلق ديمومة ومرونة التنقل في المنطقة الرمادية بين الافكار المتعددة من دون الإضطرار إلى “التيقن» التام بأيٍ منها، وديمومة الحركة بين زوايا النظر المختلفة من دون التجمد عند أيٍ منها ايضاً. هذا الحراك المتواصل بين الافكار وفي نسبيتها وعلى تخومها ومن دون السقوط في اسرها ينتج طاقة متواصلة، تعمل على شحذ عملية انتاج الافكار، سواء افكاره هو او افكار الآخرين، وتطويرها وابقائها دوما تحت شمس النقد والتحسين.
«المثقف القلِق والمُقلق” هو المثقف المهووس بطرح الاسئلة الجديدة ومساءلة اليقينيات السائدة والإنتفاض على ركود الافكار حتى لو كانت افكاره هو، وعدم الزعم في الآن ذاته بإمتلاك الحقيقة. ويمكن تعقل “المثقف القلق والمُقلق” بشكل جلي في مرآة نقيضه، اي “المثقف اليقيني” الذي يدعي امتلاك الاجوبة، ويخضع لليقينيات الجمعية ولا يساءلها بل يعمل على تعزيزها. المثقف “اليقيني» بالغ الحضور عربيا وتتنوع اشكاله وتحولاته، مكرساً يقينا ايديولوجيا عقديا، ام ثقافيا اجتماعياً، ام سياسيا سلطوياً. على ذلك، المثقف «القلِق والمُقلق» هو النقيض الموضوعي لـ «المثقف اليقيني والموقًن” (بتشديد وكسر القاف)، وهذا الاخير مفهومه وتعريفه اوسع من مفهوم وتعريف «المثقف الايديولوجي» او «المثقف الداعية» صاحب المشروع التبشيري. المثقف اليقيني هو المثقف صاحب اليقين الراسخ والموقِن بفكرة او ايديولوجية او منظومة فكرية محددة وواضحة وذات جهوزية عالية ودائمة (وإدعائية) في تقديم الأجوبة. والمثقف اليقيني او الموقًن هو المثقف الذي يجتهد لنشر يقين ما، ويجتهد على إقناع من حوله بما يوقن به. على ذلك يمكن رؤية المثقف الايديولوجي اوالمثقف الداعية كمثقف «مُوقن» و «موقًن»، لأنه يرى ويُوقن بأن خلاص مجتمعه او مجموعته يكمن في تبني وتطبيق ايديولوجيا (دنيوية او دينية) معينة ومتكاملة وحاملة للحلول جميعها يعتقدها ويبشر بها. بيد ان هذا لا يعني ان كل مثقف ايديولجي هو مثقف يقيني بالتعريف، فتعميم كهذا مرفوض وغير دقيق اصلا، ابستمولوجيا وتاريخياً. هناك مثقفون ايديولوجيون تنطبق عليهم سمة “المثقف القلق والمُقلق”، وهناك مثقفون كثر غير مؤدلجين لكنهم يندرجون تحت وصف “المثقف اليقيني والمُيقن. وفي واقع الامر والمشاهدة ليس بالضرورة ان يكون «المثقف المُوقن والموقًن» مؤدلجاً، وليس بالضرورة ان يكون دينيا، وهنا تكمن خصوصيته التي تضمن وضمنت له الإنتشار والتوسع، وهي خصوصية تستحق التوقف عندها طويلاً و تشريحها. فقد يكون هذا المثقف صاحب «يقينيات» وخيارات سياسية وثقافية واجتماعية غير ايديولوحية، لكنه يدافع عنها ويعمل على ترويجها بالحمية والحماس الذين يتصف بهما المثقف المؤدلج. هو إذن «مثقف داعية»، فقد يكون داعية «للقبيلة» (مثقف قبيلة بالمعنى العريض والترميزي للكلمة) او داعية ل «نظام سياسي» ما، او لـ «نظام اجتماعي» معين. كما قد يكون «مثقف فكرة» يرى فيها الحل النافذ القريب من تصور الخلاص الايديولوجي، فمثلاً قد يكون «مُوقنا» بفكرة «السوق الحر» في الاقتصاد او «مُوقنا» بفكرة «سيطرة الدولة» على الاقتصاد، او بحتمية «الخصوصية الثقافية» لمجتمعه وشكل السياسة فيه على وجه ايديولوجي وشبه ديني. قبل ما يُسمى بـ «عصر النهضة» يمكن متابعة تبلور مفهوم «المثقف القلِق والمُقلق» في السياق العربي الاسلامي بالعودة الى تجارب جيل من المتكلمة والمتصوفة والفلاسفة والكتاب والشعراء الذين احتلوا مكانة مركزية في تاريخ الافكار ضمن ذلك السياق. ويندرج في هذا الجيل فلاسفة كابن حيان التوحيدي وابو بكر الرزاي وابن سينا والسهروردي والفارابي والكندي والحسن بن الهيثم، ومتصوفة مثل ابن عربي والحلاج، وادباء وشعراء مثل البحتري وابو تمام وبشار بن برد والجاحظ والخيام وغيرهم كثير. ليس بالإمكان التعرض لأفكار وتجارب هؤلاء حتى ولو بإيجاز، وهي موثقة في كتب ودراسات عديدة، لكن ما يهم هنا هو التأمل في التحولات الكبيرة التي اسست لها افكارهم وكتاباتهم وما اثارته من سجالات طويلة وعميقة ودائمة. ذك ان جزءا عظيما، ان لم يكن الجزء الاعظم، من السجال الذي دار ويدور في ميدان الافكار السياسية والاجتماعية والدينية انتج افكاراً ونظريات عظيمة تناسلت من افكارهم والافكار الواردة في “الردود» المعمقة عليهم. الاهمية البالغة لجيل مفكري ومثقفي القلق العربي والاسلامي، على ذلك، تكمن في تحرشهم الدائم بمساحة «اليقين» التي هي الاوسع في التقليد الاسلامي. وقد لعب هؤلاء دورا مركزيا واساسيا في تحدي وتحريك القناعات السائدة وساجلوها من خارج منظومتها الفكرية والنظرية. وقد ادى ذلك الى تصدي اجيال من العلماء والمفكرين وحملة راية الدفاع عن «اليقين» للرد على الافكار القلقة التي يثيروها اولئك. واذا ما تأملنا في المدارس الفكرية والفلسفية والسياسية في التاريخ العربي والاسلامي وحتى يومنا هذا فإننا نلحظ وبوضوح انه لولا الافكار «المُقلقة» والقلق الذي اثارته على الدوام لما كان هناك انتاج فكري وعلمائي وديني. ذلك ان الكثير مما انتجه مثقفو الدفاع عن اليقينيات السائدة جاء في لحماية تلك اليقينيات والرد على المشككين فيها: «الرد على المتكلمة»، «الرد على المتصوفة»، «الرد على الدهريين»، «الرد على الزنادقة»، وهكذا.
من زاوية ما، إذن، يمكن القول ان مدارس القلق والإقلاق في السياق العربي والاسلامي سبقت وبكثير مدارس الشك الديكارتي والهيغلي في القرنين السابع والثامن عشر والتي ينسب لها كثيرون ثورية التفكير الغربي ومقارعته ليقينيات الفكر والدين في الفضاء الاوروبي، والانتقال الحاسم به إلى «قلق الحداثة». لكن من زاوية اخرى ظلت جهود معظم مثقفي القلق ومفكري الإقلاق العرب والمسلمين تناوش على الحدود وعلى هوامش اليقين الراسخ ولم تتمكن من النفاذ الى البنية الفكرية المسيطرة والمتسعة لـ «اليقين»، وتعيد بناء آليات التفكير نفسه. وكانت الظافرية الاشعرية على مدرسة المعتزلة ولا تزال احد اهم معالم ديمومة البنية اليقينية وفشل القلق ومثقفيه في كسب ارض حقيقية في قلب تلك البنية.
وتبعا لذلك بقي اثر اجيال مثقفي ومفكري القلق في الفضاء العربي والاسلامي ضعيفا وهامشيا، وبقيت الذهنية الجمعية للناس محكومة بمدرسة التصورات المطلقة واليقينية التي احتلت المسار الرئيس لحركة الافكار والتي دافعت عنها مدارس التقليد. عملت هذه المدارس على تحديد ما يجوز وما لا يجوز التفكير فيه ونقده ومساجلته، وكانت مساحة اللامفكر فيه هي الاوسع والاعرض وبما لا يُقاس مع مساحة المفكر فيه. ويمكن القول ان سيرورة سجال القلق مع اليقين في المثال العربي الاسلامي هي السيرورة الاعتيادية في امثلة اخرى في التاريخ الانساني، ذلك ان التخلي عن اليقين او افساح المجال واسعا للقلق كي يخترقه لم يكن ديدن حركة الافكار الانسانية. بل إن القصة الاكثر تكرارا هي هامشية وجزئية الاختراقات التي ينجج القلق في القيام بها في الارضيات الراسخة لليقين، واستثارته لدفوعات اليقين وإعادة تأهيله لذاته امام الاسئلة الصعبة (في الغالب) التي يستثيرها القلق ومثقفوه.
في المقابل وفي السياق تطور الفكر الغربي الشكوكي، جاء التحول الكبير في معارك وسجالات القلق واليقين مع مشروع التنوير والحداثة. فهنا استطاع القلق والنقد النفاذ إلى جوهر البنية الفكرية وتحويلها واحتلالها، ومركزة القلق في قلبها وتهميش اليقين إلى درجات كبيرة وغير مسبوقة. ووجدت الارض الخصبة التي يمارس فيها المثقف القلق قلقه الدائم.
وتطور تفكير المثقف القلق ليطال كل شيء، فليس ثمة ما يقع خارج نطاق القلق، وليس هناك فكرة في مأمن من النقد. واخذا بالإعتبار هذا التقدير لتطور النقد في قلب المشروع الحداثي إلا انه من الضروري الإشارة إلى امرين الاول متعلق بما قد يتبادر الى الذهن من ان اليقين الديني هو المُستهدف الوحيد من قبل القلق والنقد وهذا ابتسار للفكرة النقدية التي يجب ان يتجاوز اطارها استهداف يقين معين بحد ذاته، ولأن هذا الحصر يجانب جوهر تعريف التفكير القلق والمقلق ومثقفيه. فالحداثة نفسها وعقلانيتها، وهي التي اطلقت مفاهيم النقد والشك إزاء يقينيات الدين والميتافيزيقيا، هي ايضا مُستهدفة بالقلق والنقد من قبل المثقف القلِق الحقيقي. وهذا يستأهل تأملا وتقليبا اضافيا دائما لعلاقة النقد والقلق مع الحداثة.
والامر الثاني التي تستوجب الإشارة إليه هو النقص الفادح في “نقدية” هذا النقد الحداثي والمتمثل في قصوره عن نقد التوسع الكولونيالي والامبريالي الغربي لعقود طويلة وسكوته عنه، مع بعض استثناءات مُقدرة هنا او هناك.
ومثل ذلك القصور المريع وما زال في كثير من الادبيات ذات العلاقة الفضيحة الفكرية الأهم للحداثة الغربية برمتها التي انسجم كثير من روادها بشكل مباشر او غير مباشر مع المشروع الاستعماري الموجه ضد الآخر.
ففي الوقت الذي تقدم فيه النقد لتصويب الحداثة من داخلها، بدا وكأن ذلك النقد مقصور على تطوير “الذات الغربية” وعدم الإهتمام بما تفعله خارج فضاءها الجغرافي والسياسي من جرائم بحق الآخرين.

About alzawraapaper

مدير الموقع