«المتنبي» الجوي

مُتنبيان دخلا التاريخ وثالث خرج منه، المتنبي الأول شاعر العربية الأكبر أبوالطيب المتنبي الذي خلد اثنين لايستحقان التخليد..كافور الأخشيدي والإنفلونزا «وزائرتي كأن بها حياء .. فليس تزور الإ في الظلام». أما الثاني هو المتنبئ الجوي الذي صار ينافس ترامب وكيم إيل يونغ وأحيانا يتفوق بحيث يصبح خبره رقم واحد في حال هطلت سماؤنا مطرا في عز الصيف يصحبه الخيال الشعبي بكمية من الحالوب, أو تفجرت أرض السيدية نارا. أما المتنبئ الثالث الذي خرج من التاريخ والجغرافية وسكن السوشيال ميديا فهو أبو علي الشيباني الذي لا يصدقه أحد حتى لو جاء بكوكب نبتون من ذيله وقدمه هدية متواضعة للمشاهدين.
المتنبي الشاعر شغل الدنيا وملأ الناس بشعره الذي أصبح الدهر أحد رواته «إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا». المتنبي الشاعر تغزل بالشمس على حساب القمر «وما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال», لأن الشمس أيام أبي محسد لم تكن مثل شمسنا التي يسعدها دائما أن تقترب منا الى الحد الذي لاتغادر قبل أن تشرب معنا شاي العصر مع الكعك والبقصم.
أما المتنبئ الجوي فلقد مررنا معه بزمنين مختلفين تماما. أتذكر في الماضي (سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي) كانت نشرة الأنواء الجوية لاتختلف كثيرا عن النشرة الخاصة بالصيدليات الخافرة أو حتى بقائمة بيع الفواكه والخضر قبل أن تلغى مثل الغاء الأذان مع كتابة عبارة «حان الآن موعد أذان الظهر أو العصر في مدينة بغداد وضواحيها». فالمتنبئون الجويون أيام زمان كانوا يعتمدون على الحدس الخاص بالجو بسبب عدم وجود أجهزة حديثة كالتي تستخدم اليوم وهي مقرونة بوسائل ايضاح علمية بحيث تلاحق الغيوم والمنخفضات والمرتفعات الجوية من أعالي البحار الى بغداد.
أيام ذاك الناس لم تكن تصدق أخبارالنشرة الجوية لكثرة الأخطاء الكارثية «منخفض جوي يصير مرتفعا, مطر تطلع شمس, وهكذا» لذلك تم تصنيف النشرة شعبيا وفي ظل عدم وجود مواقع تواصل إجتماعي بأنها مجرد «حكي جرايد» أيام كانت الصحف هي التي تتسيد كل شيء بدءاً من تقاطعات الطرق حتى موائد الطعام. اليوم اختلف الأمر تماما. اختفت الصحف الورقية أو كادت أو في الأقل زاحمتها السوشيال ميديا التي أنتجت أعدادا لاتحصى من المتنبئين والقوالين ومطلقي الشائعات ومتعهدي نشر الأخبار التي «مايلبس عليها لا عقال ولا جراوية» بحيث اختلطت على المواطن الأنباء على طريقة أبي تمام «السيف أصدق إنباء من الكتب» أو الأخبار مثل فاضل عواد «لاخبر لاجفية لاحامض حلو لا شربت». بات كل شيء قابل للتصديق بنفس الدرجة التي يقبل بها التكذيب. ولم يعد صعبا أن تأتي بمعلومة تتعلق بالطقس أو صفقة القرن أو كورونا أو إيفانكا ترمب أو أبو علي الشيباني أو مجموعة متنبئي كورونا بعد أن دخل هذا الوباء حيز التعايش مع سيكولوجية .. الإنسان المقهور لكن بسبب… تأخر الرواتب.

About alzawraapaper

مدير الموقع