الماوردي البغدادي يحدد آداب الدين والدنيا والعقل في كتاب ببغداد قبل ألف عام

طارق حرب

طارق حرب

كتاب أدب الدين والدنيا أصدره الماوردي البغدادي ببغداد المتوفي عام 450هج أي في العهد العباسي الوسيط تضمن آداب الدين والدنيا والعلم والعقل والنفس فلقد توزع هذا الكتاب على خمسة أبواب أولها في فضل العقل وثانيها في أدب العلم وثالثها في أدب الدين ورابعها في أدب الدنيا وخامسها وأخيرها في أدب النفس فهو كتاب حكمة وفلسفة وأدب وعلم وأخلاق وفقه وبدائع حكايات وروائع مخاطبات ولا غرو في ذلك فلقد كان أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي من بيع ماء الورد البصري البغدادي فقيه بغداد في زمنه وأول قاضٍ في بغداد يلقب أقضى القضاة وهو القائل في حب بغداد (دخلنا بغداد كارهينا فلما ألفناها خرجنا مكرهينا) اي انه بعد كرهه لبغداد تحول الى حب شديد لها لذا كان اخراجه من بغداد بالاكراه فلم يرد الخروج من بغداد ولم يتركها الا أكرهوه على تركها .
وتتبين القيمة الراقية لهذا الكتاب من انه جاء بعد أن أمضى الماوردي خدمة طويلة في القضاء والتفاوض مع البويهيين والسلاجقة أشبه بالدبلوماسي في هذه الايام وهو تربوي وهو العالم البارع الفقيه الجليل رجل السياسة والادارة والتدبير يتبين ذلك من مؤلفاته الكثيرة في جميع أوجه الحياة وحسبه فضيلة انه أول كاتب عربي اسلامي كتب في ما نسميه اليوم الفقه الدستوري والاداري في كتابه الاحكام السلطانية والولايات الدينية ولم يسبقه سابق في الدستوري والاداري وتتبين ثقافته من كتبه الاخرى ككتاب قوانين الوزارة وسياسة الملك والامثال والحكم والبيوع وأدب القضاء ومعرفة الفضائل وآداب الوزارة والحاوي الكبير في ثلاثين جزءا ونصيحة الملوك وأعلام النبوة والاقناع وتسهيل النظر وتعجيل الظفر وغير ذلك من المؤلفات مدحه الخطيب البغدادي وابن الجوزي والذهبي وغيرهم ومما قال له خليفة بغداد العباسي القادر المتوفي عام 423 هج (حفظ الله عليك دينك كما حفظت علينا ديننا) ولقد لقبه خليفة بغداد العباسي القائم عام 429 بأنه أقضى القضاة وتلقب من بعده بعض الخلفاء بهذا اللقب في بغداد.
وكعادته بدأ الماوردي البغدادي كتابه هذا فقال؛ الحمد لله ذي الطول والآلاء وصلى الله على سيدنا محمد خاتم الرسل والانبياء وعلى آله وصحابته الاتقياء أما بعد فإن شرف المطلوب بشرف نتائجه وعظم خطره بكثرة منافعه وبحسب منافعه تجب العناية به وباختيار العناية به يكون اجتناء ثمره وأعلم العلوم خطراً وقدراً وأعمها نفعاً ورفداً ما استقام به الدين والدنيا وانتظم به صلاح الآخرة والأولى لأن باستقامة الدين تصح العبادة وبصلاح الدنيا والاخرة تتم السعادة.
وجاء في نهاية كتابه قوله: فهذب أيها العاقل نفسك بإدراك عيوبك وأنفعها كنفعها لعدوك فإن من لم يكن له من نفسه واعظ لن تنفعه جميع المواعظ ثم أعاننا الله وإياكم على القول بالعمل وعلى النصح بالقبول وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وفي الفصل الاول يقول: اعلم ان لكل فضيلة أساً ولكل أدباً ينبوعاً وأس الفضائل وينبوع الآداب هو العقل الذي جعله الله للدين أصلاً وللدنيا عاداً فأوجب التكليف بكماله وجعل الدنيا مدبرة بأحكامه وألف به بين خلقه مع اختلاف هممهم ومآربهم وتباين أغراضهم ومقاصدهم وجعل تعبدهم به قسمين : قسماً وجب بالعقل فأكده الشرع وقسماً جاز بالعقل فأوجبه الشرع ويذكر الماوردي حديثا للرسول : «ما اكتسب المرء مثل عقل يهدي صاحبه الى هدى ويرده عن ردى» والحديث الآخر: «لكل شيء دعامة ودعامة عمل المرء عقله».
ويذكر بعد ذلك قوله سبحانه: «لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا من أصحاب السعير». ثم يقول الماوردي : واعلم ان بالعقل تعرف حقائق الأمور ويفصل بين الحسنات والسيئات وقد ينقسم الى قسمين غريزي ومكتسب فالغريزي هو العقل الحقيقي الذي يمتاز به الانسان عن سائر الحيوان والعقل المكتسب فهو نتيجة العقل الغريزي وهو نهاية المعرفة وهو ينمو ان استعمل وينقص اذا أهمل وقد وصف العاقل بما فيه من فضائل والأحمق على ما فيه من رذائل والماوردي في شرحه لا يقف عند الايات والاحاديث بل يضيف ما هو جديد من أقوال وشعر فهو ينقل عن الحسن البصري قوله : ما استودع الله أحداً عقلاً الا استنفده وقول الحكمة العقل أفضل مرجو والجهل أنكى عدو وقول الادباء صديق كل امرء عقله وعدوه جهله وقول البلغاء خير المواهب العقل وشر المصائب الجهل.

About alzawraapaper

مدير الموقع