المال الحرام مصيره الزوال

سعد محسن خليل

سعد محسن خليل

لو تتبعنا تاريخ العراق منذ عقد الخمسينيات من القرن الماضي لوجدنا ان اكثر من تجرع قارورة السم من الحكام الذين تولوا السلطة في العراق الباشا نوري سعيد حيث قتل ومثل بجثته في عملية بشعة ما زال الكثير ممن عاصر تلك الفترة يتذكر بشاعتها رغم ان هذا القائد الذي تولى السلطة لحقبة تقارب أربعة عقود من الزمن وكذلك سلوكياته تشير الى انه كان رجل سياسة من الطراز الاول فقد كان يحمل ذكاء قل نظيره ويتمتع بكاريزما هائلة وهو سياسي يتمتع بذكاء متميز في المناورات السياسية غالبها في الخفاء كما له القدرة الفعالة التي ارهبت الكثير من الساسة العراقيين الذين لم تكن لديهم القدرة على مواجهة كاريزمائية قوية خاصة وان أسلوب الاقناع كان سلاحه الناجح في السياسة وخارجها
لقد احتل نوري السعيد طيلة تلك الفترة موقع القائد السلطوي الأبوي في قيادة الخطوط العريضة لصيرورات الحكم في العراق ويعتقد غالبية العراقيين أن معظم الساسة الذين لعبوا دورا على المسرح السياسي العراقي هم تلامذة نوري السعيد فقد كان مدرسة سياسية قائمة بذاتها فقد كان عارفا وخبيرا بأخلاق ونفسيات الساسة المحيطين به والمتسابقين الى اقتناص المناصب والثروات فيعالجهم ويمسك بخناقهم حتى يروض العاقين منهم فلا يشذّ أحد منهم عن خططه ونواياه وأهدافه ومن يشذّ عن ذلك يحيك له نوري السعيد مؤامرة خلف الابواب المغلقة تليق به فيلوي يده ويضعه في مكانه الطبيعي. كان قاسيا لا يرحم خصومه يراقب عن كثب ما يحدث من عمليات فساد فينقض على المفسدين انقضاض النسر على فريسته فقد شكلّ مجلسا من القضاة للنظر في قضايا الفساد الإداري والمالي تحت عنوان «من أين لك هذا» وقد أسفر عمل لجنة القضاة هذه عن فصل حوالي 300 مسؤول في الدولة عن مناصبهم بينهم 7 محافظين. ومن الحكايات التي تروى عن السعيد ان وشاية وصلت له مفادها ان وزير ماليته لديه فراش « عامل خدمة» يعمل لخدمته يمتلك دارين في بغداد .. فذهب نوري سعيد لزيارة وزارة المالية والتقى بالوزير وقال له « قدم استقالتك لمجلس الوزراء» فاستفسر الوزير من الباشا عن الاسباب فقال له الباشا « اذا كان فراشك يمتلك دارين كم تملك انت».
كان الباشا نوري سعيد يمتلك بعد نظر وحكمة قل مثيلها فهو لايؤمن بالعقوبة بقدر ايمانه بأن النصح والارشاد هو الطريق الاسلم لاصلاح المسيء ومن الروايات التي تذكر حكاية قديمة طريفة ومعبرة عن الباشا نوري السعيد يقول الراوي « كان الباشا نوري السعيد رئيس وزراء العراق في جلسة جمعته مع وزرائه ونوابه يتكلم لهم عن حالات الفساد التي اشتم رائحتها في بعض مفاصل الحكومة وعن المسؤولين عنها حيث ذكر لهم حكايه قديمة طريفة سمعها من والده ومفادها كما يرويها الباشا « خرج والدي ذات يوم من الجامع بعد ان ادى صلاة الظهر فوجد رجلا مسكينا شحاذا يقف بالقرب من باب الجامع وعلى عيون ذلك المسكين الشحاذ اسراب من الذباب تحط على جفون عينه وكان الذباب راكدا على عيونه ويمص بالتقيح الموجود في جفونه .. ويضيف الباشا بان والدي قد تألم من منظر ذلك الرجل المسكين فتقدم منه وهش بيده لازاحة الذباب من عيونه وبعد ان طار الذباب صرخ الشحاذ بوجه والدي معترضا على ذلك حيث قال لوالدي « الله لايعطيك العافية، لماذا ازحت الذباب عن عيوني استغرب والدي من ذلك واجابه « انا خلصتك من الذباب الذي يأكل عينيك ويلوثها ويخربها ». فأجاب المسكين الشحاذ قائلا « ان الذباب القديم الذي طار عن عيني كان قد شبع من مص القيح في عيوني واصبح ضرره وتأثيره محدوداً لايؤذيني ولكن الان سياتي ذباب جديد ويقوم من البداية بعملية مص جديدة ستكون قوية وستؤذيني وتؤلمني».
ويضيف راوي الحكاية بأن الباشا نوري السعيد قرأ هذه الحكاية التي سمعها من والده وتأملها وادرك حكمتها ومقاصدها وعلى ضوئها وصف الباشا الوزراء والمسؤولين الفاسدين بالذباب الذي كان يعشعش على عيون الرجل الشحاذ «بطل حكايتنا» . واشار الى مكافحته بالتصدي له والا فأن الفاسد الجديد سيكون اكثر ضرراً من الفاسد القديم الذي شبع من فساده وتتحمل الحكومة مسؤولية عدم كشف وتخليص الناس من ضرره وشره .. فيا ايها السيا سيون كونوا رحماء على الشعب واتقوا الله فيما تفعلون، فإن المال الحرام مصيره الزوال ويبقى رضا الشعب هو الرصيد الاكثر ديمومة وخاصة ان الانتخابات النيابية باتت على الابواب .

About alzawraapaper

مدير الموقع