الكليات والجامعات الأهلية في العراق بين الواقع والمستقبل

الدكتورة راجحة علي غالب العلي

أستاذة التأريخ والفكر الاسلامي

أن التعليم الاهلي جزء لا يتجزأ من التعليم العام في العراق وقد تكون الشهادة الجامعية هي التذكرة الذهبية للحصول على وظيفة أفضل ، ولكن هل غابت معايير اداء الكليات الاهلية في دهاليز قسم التعليم الاهلي في وزارة التعليم العالي؟

أن التربية والتعليم ركنان اساسيان لنهضة وأزدهار العراق اذ لايمكن لأي بلد تحقيق قدر من التقدم بدون بناء منظومة تعليمية راقية بدءا برياض الاطفال وانتهاء بالجامعات واكبر دليل تصنيف شنغهاي العالمي للجامعات والذي يعرف ب (التصنيف الأكاديمي لجامعات العالم) (ARWU) و تصنيف مجلة التايمز للتعليم العالي Times Higher Education (THE) ومؤشر التايمز ادخل فقط الجامعة التكنولوجية بترتيب 351 وجامعة بغداد بترتيب 251 ضمن افضل 400 جامعة في اسيا ،بفضل القيادة الجامعية لتلك الجامعتين، واما الجامعات الحكومية الاخرى أخرجت من التصنيف والكليات الاهلية فلم تصنف اصلا.
ولابد ان القي الضوء على تاريخ الجامعات الاهلية في العراق ، حيث ان أول جامعة اهلية في العراق هي( جامعة الحكمة ) في بغداد وتأسست في عام 1956 من قبل الأب توماس هسي اليسوعي رئيس كلية بغداد من أقليم نيو إنجلاند من الولايات المتحدة الامريكية.
وفي تشرين الثاني سنة 1957 وضع الحجر الاساس للجامعة في منطقة الزعفرانية جنوب العاصمة بغداد، ولم يتم انجازها الا عام 1959 وتم في هذا العام انتقال الجامعه الى المقر الجديد وبقيت جامعة الحكمة مبعث اهتمام ورعاية بعض موظفي الدولة خلال العهود السابقة وظلت تحت ادارة الاباء اليسوعيين تمارس اعمالها ، علما ان جامعة الحكمة خرجت قرابة 1900 طالب من الجامعة من الكوادر الهندسية والفنية الجيدة من الشباب العراقي ومن خيرة العوائل العراقية المعروفة . وسبب اختيار الأباء اليسوعيين لأسم (الحكمة) لجامعتهم تيمناً باحدى المرافق العلمية في العصر العباسي التي يطلق عليها (بيت الحكمة).
بعد سيطرة حزب البعث المنحل على الحكم في البلاد عام( 1968 م) شرعت الحكومة الجديدة ولاسباب سياسية انهاء أعمال جامعة الحكمة وتحويلها الى جامعة حكومية بموجب قانون
جامعة الحكمة رقم (190) لسنة 1968 م، ولم يدم هذا الحال طويلا فسرعان ما صدر قرار جديد عمل على الغاء جامعة الحكمة الى الابد في 5/8/1969 م والحقت جميع كلياتها بجامعة بغداد وفق القرار (342) المعروف ب (قانون اعادة تنظيم الجامعات ) وتحولت ابنية الجامعة الى معهد التكنولوجيا في منطقة الزعفرانية بعد الغاء جامعة الحكمة. وكذالك كلية بغداد ومدرسة المنصور التأسيسية .
أما في الستينيات القرن الماضي بدأ التعليم الاهلي الحديث بالتأسيس عام 1963م حيث بادرت نقابة المعلمين بتأسيس (الكلية الجامعة) سنة التي تطورت سنة 1968 م الى الجامعة المستنصرية وفق قرار (167) بتاريخ 16/11/1968م ، وبالغاء التعليم الاهلي عام 1974 (قانون مجانية التعليم) أصبحت الجامعة المستنصرية رسمية وحكومية .
و بسبب تداعيات الحرب العراقية الايرانية وأعادة هيكلة الدولة وتفييض الموظفين دعت الحاجة للسماح بتاسيس كليات اهلية ،فقد تاسست في بغداد عام 1988 م كلية المنصور الجامعة التي انشأها المرحوم الدكتور فؤاد الدهوي مع الجمعية العراقية للمكتبات والمعلومات ،وكلية التراث الجامعة التي تاسست من قبل جمعية التراث وكلية الرافدين بمبادرة من الجمعية العراقية للعلوم الاحصائية .
وفي تسعينات القرن الماضي توسع التعليم الاهلي بكلية المامون الجامعة 1990 م بمبادرة من نقابة المعلمين ،وكلية بغداد للعلوم الاقتصادية بمبادرة من نقابة الاقتصاديين العراقيين وكلية المعارف في الانبار وكلية اليرموك بديالى وكلية الحدباء في الموصل واخيرا كلية الصيدلة الاهلية بدعم من نقابة الصيادلة العراقيين سنة 2000 م.
أما الدراسات العليا في عقد التسعينيات قام اتحاد المؤرخين العرب الذي يتخذ من من بغداد مقرا له باستحداث معهد التاريخ العربي لدراسات الماجستير والدكتوراه مما اضطر رئاسة الجمهورية سنة 1993 للتدخل ومنع الموظفين من التقديم لهذه الدراسات .
لم يتمكن اتحاد المؤرخين العرب ومعهد التاريخ العربي للاعتراف بشهادته منذ 1995 من قبل وزارة التعليم العالي باستثناء حالات فردية وبمبادره من وزير التعليم السابق الدكتور سامي المظفر باعترافه ببعض الشهادات والغي الاعتراف مرة اخرى في عهد الوزير السابق الاستاذ علي الاديب.
بعد السرد التاريخي للتعليم الاهلي في العراق بين (1955 الى 2003) سوف أعرج على مميزات التعليم الاهلي فالدراسات الجامعيه الاولية بأستثناء الطبية كالتخصصات في (كلية الصيدلة الاهلية) أقتصرت على الأدبية والانسانية وعلوم الحاسبات كونها لاتتطلب استثمارات مالية ضخمه، سوى توفير القاعات الدراسية وبعض الحواسيب وأجور ورواتب المحاضرين.
وأمتاز التعليم الاهلي حاليا بتدني معدلات الطلبة المتقدمين بكلياته من الذين لم يتمكنوا من الالتحاق في الجامعات الرسمية او الطلبة الذين يرغبون بالالتحاق بتخصصات لم تؤهلهم معدلاتهم الدراسية للقبول بالجامعات الرسمية .
ولم يسمح الى الان للكليات الاهلية بفتح برامج دراسات عليا او دراسات طبيه كالطب العام الا بعد سنة 2009 ،وفي جميع الاحوال كان يغلب عليها الطابع التجاري على الرغم من خضوعها لأشراف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.
ما ذكر اعلاه أنعكس على أداء طلبة الكليات الاهلية وكما هو متوقع ضعيف جدا سواء في الأمتحانات التقويمية او أمتحانات الرصانة لاجل ذالك صدرت مجموعة من القوانين التي تنظم التعليم الاهلي كقانون (13) لسنة 1996 م الذي جاء محدثا لقانون (814) 26/10/1987 م وبعد هذا التاريخ لم تؤسس أية جامعه اهليه في العراق الا في عام( 2004 م ) وهي جامعة ال البيت سنة ،وجامعة الامام الصادق تأسست ببغداد عام 2010 بعد مصادرة أبنية جامعة البكر للعلوم العسكرية .
أما الواقع الراهن وفي ظل قانون الجديد للتعليم الاهلي رقم (25) لسنة 2016 م بلغت الكليات والجامعات الاهلية أكثر من (75 ) كلية وجامعة اهلية في جميع انحاء العراق مع اقليم شمال العراق ومن ضمنها تخصصات طبيه وصحية تتطلب كوادر مهنيه عالية المستوى مسجلة في ملفات الوزارة ولكن مفقودة على أرض الواقع في الكليات والجامعات الاهلية نتيجة هروب الكوادر الطبية خارج العراق لاسباب نعرفها مسبقا.
فضلا عن افتقار الكليات والجامعات الاهلية الى ابسط مستلزمات قطاعي التعليم الطبي والهندسي من الاجهزة المختبرية والمعدات العلمية والطبية ذات التكلفة المالية الباهضة.
واعترف الوزير الاسبق لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي بهذا الواقع المؤلم في مقابلة بجريدة المدى في 3/4/2019 م بعدد 4402 نصا مايلي (بالتأكيد هناك دعم لهذه الكلية أو تلك من بعض الأحزاب ومن بعض السياسيين). وفي 13/5/2019 نقلت جريدة الصباح بعدد 4530 عن وزير التعليم العالي والبحث العلمي نصا مايلي(التعليم في الجامعات الأهلية أصفه بـ النقطة السوداء وبانه استحداث غير حقيقي لكثير من الجامعات والكليات لأن هناك طاقات متلاعباً بها).
بعد ان آل اليه قطاع التعليم العالي بشكل عام والاهلي بشكل خاص من خراب وتسلط الفاسدين على الكثير من مفاصله فهل يا ترى يمكن اصلاحه؟ نقول نعم، يمكن اصلاحه والاصلاح ليس سهلاً لكنه ليس مستحيلاً ،واذا توفرت لمنظومته قيادات وطنيه كفوءه بعيدا عن المحسوبية والمحاصصه الطائفية وتهيئة البيئة الوطنية والمدركه لاهمية التعليم واجتثاث كل الفساد الذي ينخر قطاع التعليم العالي .
بناء على ذالك يتطلب تشكيل هيئة مستقلة من كبار علماء العراق ومفكريه واساتذة الجامعات لمسح واقع التعليم العراقي الراهن واقتراح الحلول العاجلة لانتشاله من واقعه المرير ووضع أستراتيجة وطنية للنهوض به وتوجيه التعليم الاهلي نحو الأصلاح والقضاء على حيتان وسماسرة الفساد ،لذا اضع هذه التوصيات لازالة الانحراف ووضع التعليم الاهلي في الطريق الصحيح وهي:
اولا: فصل التعليم الاهلي عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وأنشاء(الهيئة المستقلة للتعليم العالي والبحث العلمي الأهلي ) مرتبطة بالامانة العامة لمجلس الوزراء.
ثانيا:تشكيل لجنة قانونية من قبل فقهاء القانون لمراجعة جميع بنود القانون المرقم (25) لسنة 2016 م، والتركيز على دور المستثمر والهيئة المؤسسة وعلاقتهما بوزارة التعليم العالي والكلية الاهلية .
ثالثا:أقترح بان يكون اعضاء الهيئة التدريسية في الجامعات الحكومية لهم دور المشرف والمراقب من حيث المنهج والمصدر التعليمي ويقتصر دور المدرس الجامعي في الكليات الاهلية على الالقاء المحاضر ووضع درجات السعي ،اما الامتحان النهائي فتضعه لجنة من الهيئة التدريسية في جامعة بغداد باعتبارها الجهة الوحيدة المصنفة عالميا في مؤشر التايمز مع شقيقتها الجامعة التكنولوجية.
رابعا: نوصي بالغاء قسم طب الاسنان والصيدلة والطب العام والتحليلات والهندسة الطبية من الكليات الاهلية وحصرها بيد الجامعات الحكومية،بسبب عدم حصول تلك الاقسام الطبية على تصنيف دولي وأيضا أحتراما لأرواح المرضى والعراقيين.
خامسا: في حالة أستحالة الغاء الاقسام الطبية من الجامعات الاهلية ، يتم وضع شروط صارمه على الاقسام الطبية كتوئمتها مع افضل 10 كليات طبية بالعالم وانشاء عيادات ومستشفيات تعليمية تابعة للكليات الاهلية بطاقة استيعابية 1000 سرير وبمؤشر مواصفات وجودة عالمية وتقدم 50% من الخدمات للمواطنين العراقيين مجانا.
سادسا: نوصي بغلق الدراسات المسائية للكليات الاهلية حيث ان المشرع العراقي اعطى للجامعات الحكومية امتياز الدراسات المسائية وفق قرار(148) لسنة 1996م .
سابعا: نوصي بعدد الطلاب الدراسة الصباحية في الكليات الاهلية وفي كل قسم لايتجاوز (50) طالبا في كل مرحلة في جميع الاقسام العلمية والانسانية كما هو الحال في جامعة النهرين.
ثامنا: تعيين عميد الكلية او الجامعة الاهلية يشترط ممارسة مهام عمادة الكلية في أحدى الكليات الحكومية وبدرجة استاذ اذا كان متقاعدا،أو منسباً من كلية حكومية بتقييم اداء لخمس سنوات 80% اذا لايزال موظفا في وزارة التعليم وبراتب لايزيد عن 25 % من رواتب ومخصصات عمداء الجامعات الحكومية في حالة اعارة الخدمات.
تاسعا:عند انتهاء مدة عمل العميد لايجوز التمديد له مطلقا ولأي سبب كان (كما هو الحال مع عميد احدى الكليات الاهلية الذي يمارس دور العميد لستة عشرة سنة متواصلة).
عاشرا:أجراءات فتح الكلية او الجامعة الاهلية تتشكل من لجنة يتألف اعضائها من ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة وقاضي من وزارة العدل ومديرعام التصاميم في أمانة بغداد او المحافظة وهيئة الاستثمار(في حالة وجود عقد بين الهيئة المؤسسة والمستثمر) وتخضع كل الكليات والجامعات الحالية لهذه التوصية.اما دور التعليم الاهلي في الوزارة فهو فقط الارشفة والحفظ وليس الاستحداث لأسباب ذكرتها سابقا ولأجل أبعاد الوزارة عن ضغوطات الاحزاب السياسية ومافيا الفساد.
احدى عشر: نتيجة للتوسع في الجامعات والكليات الاهلية ووصول عددها الى 80 جامعة وكلية سنة 2020 م نوصي بتشكيل محكمة تبت في النزاعات ومشاكل التعليم الاهلي من كليات وجامعات وهيئات التدريسية والهيئات المؤسسة والمستثمرين ، لأن وزارة التعليم العالي ليست حكما او قاضيا ليبت في تلك المشاكل ،بالاظافة الى ان بريد الوزير اليومي طغى عليه (التعليم الاهلي ) بعشرة اضعاف البريد الخاص بديوان الوزراة .
اثنى عشر:تشكيل دائرة في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لحصر المتخرجين من الكليات والجامعات الاهلية منذ( 1988م-2020م )والتحقق من وثائقهم الدراسية ومتابعة مسيرتهم بعد التخرج .
ثلاثة عشر: نظام الترقيات في الكليات والجامعات الاهية يعاد النظر به ،لان نظام الترقيات مصاب بعاهات مستديمة لن تزول .
اربع عشر: ينبغي للهيئة المؤسسة ان تكون قرارتها بالاجماع وليس بالاغلبية ،لان قانون(25 ) لسنة 2016م لم يثبت ذالك بمادة قانونية و نصية صريحة .
خمسة عشر: نوصي بتعيين مدير المالية للجامعة الاهلية او الكيات الاهلية بالتنسيب من قبل ديوان الرقابة المالية ولايعين من قبل المستثمر وحاصل على شهادة أولية حكومية وبتسلسل العشرة الاوائل. لأن 80% من ريع أموال الكليات او الجامعات الاهلية تتسرب الى خارج العراق.
ستة عشر:نظام الرواتب او الصرفيات للكليات الاهلية والجامعات الاهلية يرتبط بالاشراف الشهري لديوان الرقابة المالي الاتحادي ونسخة منه الى الشؤون المالية في وزارة التعليم العالي.
سبعة عشر: نوصي بان المستثمر لايحق له توقيع عقد الاستثمار مع الهيئة المؤسسة الا بعد أستحصاله موافقه من قبل وزير التعليم العالي والبحث العلمي وديوان الرقابة المالي الاتحادي وهيئة الاستثمار وبكفالة 10 اعضاء من غرفة تجارة بغداد ويضع مبلغا من المال (وديعة في بنك الرافدين) كضمان لحساباته المالية على ان لاتقل الوديعة البنكية .وبعد ذالك يستحصل المستثمر الموافقات الامنية ويتم توقيع العقد عند كاتب العدل بنموذج خاص وبموافقة جميع اعضاء الهيئة المؤسسة بالاجماع وليس بالاغلبية ويتم ذالك بمادة نصية بالقانون المعدل لرقم (25 )لسنة 2016م.
ثمانية عشر :أرباح المستثمر والهيئة المؤسسة تؤطر بقانون معدل من قانون 25 لسنة 2016 .
تسعة عشر: تشكيل لجنة مستقلة لاستحداث او غلق الاقسام العلمية في الكليات والجامعات الاهلية من الان للنظر بكل الاقسام الحالية او السابقة المستحدثة ومدى توافقها مع الشروط وبعضوية ميدرية التصاميم في امانة بغداد او المحافظة.(على سبيل المثال فتح قسم هندسة الطائرات في كلية اهلية) فهل توجد اصلا لدى الدولة أمكانية لكي يفتح مثل هذا القسم على مستوى العراق لكي يفتح بمدينة نائية ؟ .
عشرون:تحسين نظام تقييم الاداء والجودة للموارد البشرية للكليات والجامعات الاهلية وتطوير نظام القبول المتلكأ حاليا في الكليات والجامعات الاهلية.
وكلي ثقه ان هناك كثير من العناصر العلمية في وزارة التعليم العالي تعمل جاهدة للاصلاح ومحاربة الفساد.

About alzawraapaper

مدير الموقع