الكلام في وضح النهار

أن يمتلئ رأسك بعبارات التمجيد لعمل أدبي ، ثمّ تكتشف بعد الاطلاع عليه أنك أمام عمل لا يستحق كل هذا التمجيد ، فهذا الأمر لا يثير الغرابة في هذا الزمن الذي انتشرت فيه وسائل الإعلان ، وتطورت أساليب الدعاية ، وانتشرت مناهج الخداع لتمارس فن صناعة الوهم من أجل غاية محددة أو هدف منشود .
وأن تجد بعض النصوص الأدبية على صفحات الجرائد والمجلات وقد سلطت عليها إنارة الترويج ، وهي لا تستحق سوى المرور عليها دون إثارة ، فهذا يدخل في باب القبول إذا ما عرفنا أن شبكات التواصل الاجتماعي قد لعبت دورا كبيرا في تفخيم بعض الأسماء التي لا تستحق هذا الإطراء ، فالكثير من محرمات الأمس ما عادت محرمة اليوم بعد أن أصبحت شبكات التواصل في متناول الجميع ، وان الكثير منها لا يخضع للرقابة ، وأن البعض من روادها لا يملكون قدرة التمييز بين ذيل الفأر ورأسه ، إضافة إلى كونها حاضنة خصبة لصناعة الرأي القائم على الوهم .
ما يثير الدهشة ، ويصيب الرأس بالصداع ظهور هذا الكم الهائل من النقاد الذين لا همّ لهم سوى إطلاق الأحكام الجاهزة على منجزات أدبية لا تستحق الكتابة عنها ، وانتشار ظاهرة النقد من خلال ناقد يكتب عن ناقد وخروج قناعة لدى المتلقي بأن المنجز الأدبي الذي كثرت الكتابة عنه يستحق الالتفات إليه ، ولابد من التعرف على كنوزه ومآثره .
منذ زمن بعيد وأنا أتحاشى الكتابة عن الكثير من الأعمال ، واعتذر للكثير عن التعليق حول مطبوعاتهم خوفا من خسارة البعض عندما أقول كلمتي بوضوح ، وحرصا على وقتي فبعض المؤلفات لا تستحق ثمن الحبر الذي كتبت فيه ، ومنذ زمن بعيد وأنا أسمع بين الحين والحين ضجة مفتعلة حول أهمية الناقد الفلاني ، أو الكاتب الفلاني فأبتعد عنها لأن التفرج على ما يحدث لا يجلب الراحة بقدر ما يثير الحزن .
لقد عجّت الساحة الثقافية وعلى امتداد الوطن العربي الكبير بالكثير من الأسماء التي لا تمتلك الحد الأدنى من الثقافة ، وأصبحت الألقاب الأدبية تتزاوج فيما بينها لتخلق ألقابا ما عرفها تولستوي عندما كان روائيا ، ولا موبوسان وهو يغادر عالمه ، ولا المتنبي بعدما قدم كل إبداعه إلينا ، ومع شيوع هذه الظاهرة غاب الكثير من المبدعين الذين تألقت أقلامهم بالعطاء المتميز ، والذين آثروا الصمت في عالم يزدحم بصراخ المهرجين ، وأصبح فيه الأدب يعتمد على الأساليب الجاهزة التي تسير على طريق المحكي والعامي وبلغة ركيكة وهشة بحجة وصولها السهل إلى المتلقي ، وأصبح المتلقي هو الوسيلة والغاية في نظر الكاتب ، بدلا من رفع المتلقي إلى عالم الذوق الرفيع والجمال المدهش .
إلى اللقاء .

About alzawraapaper

مدير الموقع