الكشف عن المستور فـي روايات ليلى سليماني

أسماء مصطفى كمال
سطع نجم ليلى سليماني سريعا، منذ حصولها على جائزة “غونكور” عن روايتها “أغنية هادئة” العام الماضي، وحظيت الكاتبة المغربية بكثير من الاحتفاء عربيا وعالميا، وتخطت مبيعات روايتها أكثر من 400 ألف نسخة، كما تعاقدت على ترجمتها إلى سبع وثلاثين لغة، بالإضافة للشروع فى تحويلها إلى فيلم سينمائى، وكذلك روايتها الأولى “فى حديقة الغول”، كما حصلت على الوسام الفرنسي للفنون والآداب بدرجة ضابط، من الحكومة الفرنسية، وانتشرت الشائعات حول ترشيح الرئيس “ماكرون” لها لتولي وزارة الثقافة، مما عزز اعتبارها مفخرة عربية، وجعلها موضوعا للعديد من المقالات والتغطيات والدراسات في الصحافة الأدبية والثقافية من المحيط إلى الخليج، ولكن هل يستمر شهر العسل بين المبدعة المغربية المهاجرة، وبين محبيها في العالم العربي؟ هذا السؤال تفجر مؤخرا بعد صدور كتابها الجديد والصادم “جنس وكذب” الصادر في سبتمبر الماضي، والذي تصدر اهتمام الصحافة الفرنسية، وعلى وشك ان يحدث دويا في الأوساط العربية.
الكتاب مرفق به رواية مصورة بعنوان “كلام شرف” ويتضمن شهادات جريئة لنساء مغربيات من مختلف الأعمار والطبقات الاجتماعية، بعضهن اخترن التمرد على تقاليد المجتمع المحافظة وعيش حياة متحررة، وبعضهن يروين تفاصيل تعرضهن للاغتصاب والتزامهن الصمت خوفا من العار. إنه الموضوع الشائك عربيا، وعش الدبابير الذي اقتحمته الكاتبة، بشجاعة مشوبة بالحذر، والذي ستكون السجالات حوله في الفترة القادمة، بمثابة ترمومتر، لعلاقة الجميع بالأفكار المغايرة، والتى تحاول الاقتراب مما نعتبره ثوابت في لثقافتنا المعتادة. ورغم اعتماد الكتاب على شهادات مغربية، إلا أنه بمضمونه، وأسئلته، يماحك المسكوت عنه في عديد من المجتمعات العربية والشرقية بشكل عام، وإن كان بدرجات متباينة.
يعتبر الكتاب بحثا اجتماعيا، تقول “سليمانى” إن فكرته قد ولدت خلال سفرها بين المغرب والجزائر وتونس خلال ثورات الربيع العربي، حيث كانت تعمل آنذاك كصحفية لدى مجلة “جون أفريك”، وهناك شاهدت كيف كان وقع الصدمة يسيطر على الأوساط الثقافية المغاربية بعد حوادث التحرش التي حدثت في ميدان التحرير بمصر، ومن هنا بدأ اهتمامها بالموضوع، لكنها كانت تدرك حساسية الأمر، وكيف أنه قد يتحول إلى مادة للسخرية، أو الهجوم، لذلك كانت حريصة على أن يقدم بحثها صورا من الواقع. نضجت الفكرة بالتزامن مع روايتها الأولى “في حديقة الغول” عندما جلست إلى جوارها امرأة فى نهاية إحدى الندوات بالمغرب، وأخذت تحكي لها كل تفاصيل حياتها حتى تلك الأكثر حميمية، وهو ما أثر بها، وجعلها تؤمن بأن ما دفع تلك المرأة للوثوق بها هو أنها ترى أنها تملك الجرأة على التحدث بكل صراحة. المرأة لم تكن تحسن التعبير عن الأمور الخاصة، حيث كانت تجد صعوبة في إيجاد المصطلحات المناسبة للتعبير عن مشاعرها ورغباتها، وهذا راجع إلى كونها لم تتعود على الخوض في مثل هذه التفاصيل من قبل حسب رأي الكاتبة التي اقتنعت في تلك اللحظة أن الأهم هو جعل أصوات هؤلاء النساء البائسات مسموعا، مستشهدة بالناشطة الحقوقية “سيمون فيل” التي قالت إنه “يكفي أن نسمع النساء”، وقد أرادت الكاتبة من خلال بحثها دعم الحركة النسائية في المغرب والتي عرفت انتعاشا كبيرا ما بين الستينات والتسعينات بقيادة نساء مؤثرات من أمثال عالمة الاجتماع فاطمة المرنيسي، والتي أهدتها “سليماني” كتابها. لكن الحركة اليوم تجد صعوبة كبيرة في تجديد نفسها، وبشكل خاص فيما يتعلق بالأسئلة المتعلقة بموضوع الجنس، والتي يجد المجتمع التقليدي صعوبة في طرحها بشكل علني بسبب تعقده وعدم تقبله للأمر، وهو ما كانت تجد الكاتبة بدورها صعوبة في فهمه خلال سنوات مراهقتها حيث كان والداها يخبراها بأنه يمكنها الإيمان بقيم معينة، لكن دون الحديث عنها، وأوضحت أن هذا هو السبب وراء كون شخصيات رواياتها، مزدوجة تكذب أو تتعرض للكذب، وتخفي أمرا ما على الدوام، لتوضح أنه كلما أخفينا حقيقتنا عن الآخرين كلما أصبحت حياتنا الداخلية صعبة ومخيفة، وأن ما لا نستطيع قوله يصبح مصدر كوابيسنا وأوهامنا لاحقا.
وعلى عكس النظرة التي يتبناها الأوروبيون حول المجتمعات المغاربية، حيث يتم اعتبارها مجتمعات محافظة للغاية أو يصفونها بالمثالية خوفا من الوقوع فى انتقاد القيم الإسلامية، لكنها في حقيقة الأمر مجتمعات جد معقدة، وهي لا تزال في طور النمو، كما تقول “سليماني” ورغم أنها عرفت ثورة ثقافية مهمة على امتداد الخمسين سنة الماضية، لكن كل التيارات تعمل جاهدة على دفع المجتمع باتجاهها، وهذا ما يجعله عاجزا حتى اللحظة عن تحديد النموذج النهائي الذي سيستقر عليه، لهذا تملك الكاتبة انطباعا بأنها مجتمعات في مفاوضات مستمرة طوال الوقت. وصحيح أن وضع المرأة قد عرف اختلافا كبيرا خلال السنوات الأخيرة، لكن المجتمعات لم تستوعب بعد مبادئ احترام جسد المرأة، وهذا يعود إلى عدة أسباب منها أسس التربية، حيث يتم التفرقة بين الصبي والفتاة بشكل واضح، فالصبي يملك الحرية المطلقة في خوض المغامرات العاطفية التي تظل محرمة على الفتاة حفاظا على سمعتها وعلى شرف العائلة، لكن عصر التكنولوجيا لعب دورا كبيرا في هذا الصدد حيث صار الشباب يدرك ما يجري بالعالم بأسره، وهو ما جعل بعض الفتيات يقررن خلق مساحات لممارسة حريتهن في تجربة الحب، لكن معظم الفتيات اللاتي ينتمين للطبقة الوسطى شعرن بالندم بعد تخطيهن عتبة الثلاثين عاما، حيث يتملكهن الشك في إن كن قد اخترن الطريق الصحيح بتحررهن الذي قد يتسبب غالبا في حرمانهن من الزواج، ومن فرصة إنجاب أطفال. كما تلقي الكاتبة باللوم على الدولة لعدم دعمها حرية المرأة، لتجد نفسها مجبرة على اتخاذ خطوة إلى الخلف واللجوء إلى الخداع والكذب، وبهذا يغرق المجتمع في مزيد من النفاق. هذا الرأي دعمته الكاتبة بشهادة لشرطي يمارس عمله منذ أكثر من خمسة وعشرين عاما، حيث يؤكد أن الشعب المغربي ليس على استعداد لتقبل حياة متحررة على النموذج الأوروبي، لكن عمله جعله يدرك أن هناك الكثير من النفاق خلف هذا المظهر المحافظ، فهناك الكثير من حالات الاغتصاب والعنف، التى يتم التعتيم عليها، تحت مسمى العيب.
الكاتبة لم تلق باللوم في هذا الإطار على البعد الديني، حيث ان الشهادات النسائية أدانت بالمجمل تسلط الرجل وأنانيته، وغالبيتهن لم يأتين على ذكر الدين كسبب لمعاناتهن واضطهادهن، وتقول سليماني أن الإنسان هو مواطن بالدرجة الأولى، وله منطلقات اقتصادية واجتماعية وتاريخية أيضا، ولهذا على المجتمعات المغاربية التوقف عن حصر كل الحقوق الإنسانية داخل دائرة ما يعرف بثقافة المجتمع، وإلا أصبحنا رهائن لثقافتنا التي هي شيء متغير بنهاية المطاف، ولذلك علينا الحرص على تطويرها للأفضل، كما أن الكاتبة لا تتحامل على الرجل رغم أن الشهادات النسائية أدانت تسلطه وأنانيته، حيث ترى أنه هو الآخر ضحية، وهو يحاول فقط التعايش مع محيطه، لهذا يتمسك بسلطته على المرأة سواء كانت أختا أو زوجة أو حتى أما، فسلطته هي الشيء الوحيد الذي تبقى له من رجولته، بعد سنوات الاستعمار ثم هيمنة الثقافة الغربية فيما بعد، ما خلق لديه إحساسا بالعجز، وبالتالي اختار التمسك بالنموذج التقليدي خوفا من مواجهة المجهول.
الكاتبة تدرك جيدا مدى حساسية بحثها، وصرحت بأنها ليست شجاعة وأنها كثيرا ما تشعر بالخوف لدى مناقشتها مثل هذه الأمور الحساسة والمثيرة للجدل، فهي تملك أسرة وأطفالا ووالدتها لا تزال تقيم بالمغرب، ولا تريد تعريضهم للخطر، لكن الشجاعة ليست عكس الخوف بل الاستخفاف، والذي تعتبره السبب الرئيسي في تخلف المجتمعات، لذا هي ترفضه وترفض أولئك البورجوازيين على حد قولها، الذين يشاركونها الآراء، لكنهم يرون أنه لا داعي للحديث عنها، فهي تجد أن عدم الرغبة في النقاش هو أمر سخيف للغاية، كما أن الكتابة هي نوع من إعادة الاعتبار للأشخاص، وليست تهدف إلى تصنيفهم كأشرار أو طيبين.
وتشير الكاتبة إلى “سيمون فيل” من جديد والتي تساءلت يوما “لماذا لا نستمر في غض أنظارنا؟”، مؤكدة أنه علينا جميعا طرح هذا التساؤل على أنفسنا لندرك أن كرامتنا تكمن في الواقع في التوقف عن غض النظر.
لا يزال الوقت مبكرا لإصدار حكم نهائي، حول تقبل المجتمع المغربي، والمجتمعات العربية عموما لما طرحته “سليماني” في كتابها الصادم للذهنية السائدة، وقد أجرت بعض الصحف الفرنسية استطلاعات مبدئية في إحدى أكبر مدن المغرب وهي الدار البيضاء، حيث قامت بجعل بعض المارة يقومون بقراءة أجزاء بسيطة من الرواية المصورة المرفقة بالكتاب “كلام شرف”، وقد عكست الردود رفضا يكاد يكون مطلقا، للأفكار الواردة بها، حيث أصر معظم القراء أن العلاقات خارج إطار الزواج مرفوضة لكونها محرمة في الدين الإسلامي، ورأى آخرون أن مثل تلك العلاقات ماهي إلا وسيلة للتهرب من تحمل المسؤولية.
هذا ربما يكون مؤشرا على مدى التقبل الاجتماعي للأفكار الواردة في الكتاب، ولكن ماذا عن الأوساط الثقافية، والإعلامية؟ هل سيكون بالإمكان التعاطي مع الكاتبة وأفكارها، بشكل موضوعي، أم أننا سنسارع بإصدار الأحكام، والتصنيفات الشخصية؟
الإجابة هي في رحم الأيام القادمة، وسنرى ما إذا كان شهر العسل بين الدوائر الثقافية والصحفية العربية وبين كاتبة “الغونكور”، يمكن أن يستمر، أم أن الخلاف في الرأى سيفسد للود قضية.

About alzawraapaper

مدير الموقع