الكاتبة بسمة المرواني وجدل الحياة و الوجود

وجدان عبدالعزيز
كنت ابحث في بطون الكتب، انقب عن اشياء، وهكذا قضيت صباحي ولم افلح بشيءٍ ممكن الاعتناء به، لذا عاودت البحث عصراً بهمة اكبر حتى مالت الشمس، نحو الى حمرة الاصيل، وبدأ هدوء المساء يتسرب للاشياء ولم افلح ايضا في الحصول على شيء، ربتت على كتف نفسي وقلت لابأس، يجب الاستمرار وعدم الضعف والوهن، فالحياة قامة قصيرة، ذات حدود معينة، لابد لي ان انطلق، فالحياة نمو وحركة، ولابد من منفعة، أي انها قائمة اساسا على العمل، ووفقا لقول الله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) من سورة الملك، أي طريق الحياة السعي للحصول على ثمرة العمل، (لكن أن تتصالح مع طبيعة الحياة من خلال التأمل والصفاء، أو من خلال العلاج النفسي، لايعني اكتشاف معنى الحياة، لأنه لا يقصد اكتشاف أي حقيقة من هذا النوع. كتب ألبرت أينشتاين مرّة أنه لمعرفة الإجابة عن سؤال «ما معنى الحياة البشرية؟» عليك أن تكون متدينا. ولكن من حيث المبدأ هناك مساحة لسرديات غير دينية حول معنى الحياة، سرديات لا تستدعي أي شيء من خارج العالم كما كشفه لنا العلم، فالدين ليس لديه احتكار للمعنى، حتى لو كان من الصعب أن نرى كيف يمكن لحقيقة غير مطلقة أن تناسب تعريفنا، أي إن معرفة معنى الحياة هي فهم كل ما هو غير سليم في العالم، وفي الوقت نفسه، من الصعب إثبات أي طرح نافٍ (أي إثبات عدم وجود شيء مثلا) لإثبات أن لا شيء سوى الدين يمكنه أن يلعب هذا الدور)، ونحن قد لانصل الى كبد الحقيقة كما نريدها، الا اننا يتولد لدينا يقين ان لكل فعل ردة فعل.. كل هذه الافكار والصراعات الذهنية تولدت لحظة قراءة قصيدة(منصرفة بذهنها) النثرية للكاتبة بسمة المرواني، حيث القصيدة تمثل توهان في ارجاء الكون عبر المرئي منه، وقد تقف بحيرة امام جوانب العدم، حين تعجز عن ايجاد مبررا لجواز العبور والاستمرار، كي يتحقق الوجود، رغم ان الانسان مخلوق لمسافة رابطة بين الوجود المرئي والوجود اللامرئي، وهنا يدخل حيز الماورائي، لكن الانسان لايقف مكتوف الايدي عن السعي نحو افاق المعرفة..تقول الشاعرة بسمة المرواني:
(منصرفة بذهنها نحو أطياف العدمِ المبجّل
مسافرة في صخب المرئي من العالم
النشاز صداه، عبَر بوّابة جلالة الإله
عند اللحظة المكثفة من استبصار المعاش من اكتمال الفناء
وقاب حرفين من كل حديث صامت في القلب
احترت ُ،،تساءلت..
بكيتُ ،صرخت.. ورضيت باللعبة ،
لعبة الحياة…)
فكانت انطلاق خطواتها رغم الحيرة واسئلة الكون ذات الاجابات الاكثر من صعبة، الا انها قبلت (لعبة الحياة)، فكانت الانطلاقة ادراك وفهم كنه الحياة ضمن حركية الزمكانية، اي حركة محكومة بالزمن، على الاقل هنا في حياتنا الدنيا، بمعنى وجودنا المرئي، حيث تقول المرواني: (وهذا الدرب تحت مطرقة الزمان/بخرس صمت الصامتين تهت عمقا../فلي بِـشهادة الرياح الموثقة،/المتأرجحة بيْن الغيوم وبين فائض الكلامِ/وفي جسدِ التجربة/نطقت الشفاه:)، وهنا الشاعرة قرنت معنى الحياة وتفسير وجودها من خلال العيش في معتركها، وتولد معانيها من مقتربات التجربة، فلعبة الحياة لاتكتشف، الا من خلال العيش داخل تجربتها واستلهام معانيها..ثم تقول المرواني:
(هنا ، عاشَت كيانا متجسدا ،
أرهقه سؤالُ الوجود
عن المعنى الازلي للعشق
في أتونه المتلوّنة
هنا المعنى في ثوب مجلّل بالمحال
هنا ، في عالمٍ كلهُ كذبةُ كبرى ،
انا والكل كذبة الكون الاكبر
هنا ،عشت بذهن متقد
و بقلب صدقه اكثر اتّقادا
انغام الشوق فيه أجمل
فحصت مدى الحلم في هوامشِ الواقع !)
وبقيت الشاعرة هنا في حلقة جدل الصدق والكذب، فليس الكلام عن الكذب اضطرارا، فهنا لا بد من التمييز بين الصدق والكذب، كقيمتين أخلاقيتين عليا وسُفلى، وبين الصدق عندما يتحول إلى سلوك أخلاقي سيئ، عندما يترتب على الصدق في غير محله ضرر يعتد به، فيكون الكذب استثناءً كسلوك وليس كقيمة، سلوكا أخلاقيا حسنا، وليس كقيمة، عندما تتوقف مصلحة يعتد بها على الكذب، كإنقاذ حياة إنسان، أو تجنب فتنة، أو ضرر يعتد به، لكن هذا لا يغير من حقيقة أن الصدق، هو الذي يبقى يمثل القيمة الأخلاقية العليا، وأن الكذب يبقى يمثل القيمة الأخلاقية السُّفلى، ولابد عند الاضطرار، بشرط أن يكون اضطرارا حقيقيا، وليس اضطرارا مُدَّعىً كتبرير للكذب القبيح، أن يُقتصَر فعلا على الحد الأدنى من الكذب، بمقدار ما يتطلبه الاضطرار، ودون تعدي حدود الاضطرار، فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾[التوبة: 119]، وهنا الكاتبة بصدد فهم مغزى الصدق ومغزى الكذب، اي مغزى الحياة كونها وجودو مرئي واقعي، يقابلها الموت الحقيقة الغير مرئية الصادقة.. اذن اين يكمن الكذب؟ الحقيقة المتجلية من خلال معطيات القصيدة ان الكذب يكمن في سكونية التفكير، فلابد لنا تحريكه باتجاه ادراك معنى الوجود ومعنى اللاوجود، كي يتم قطف ثمرة حياتنا الوجودية، ومن اجل تبيان صراع الوجود واللاوجود نأخذ رأي باريمندس وهوأهم الفلاسفة الأنطولوجيين الذين اشتهروا بميتافيزيقا الوجود، إذ خصها بقصيدة شعرية غايتها ادراك الوجود، حيث حملت قصيدته تصوراته، التي تتخطى نطاق الطبيعة والحس والمادة إلى ماوراء الطبيعة، بمناقشة مواضيع مؤرقة جدا، مثل: موضوع الوجود، وموضوع الألوهية، وموضوع النفس، وموضوع الحركة والسكون، وموضوع المعرفة، هذا الصراع تبنته الشاعرة بسمة المرواني في قصيدتها، وهو من المسائل الجدلية الصعبة جدا، كونه من العيار الثقيل في جدل الفلسفة وجدل الفكر الانساني…
هوامش: قصيدة(منصرفة بذهنها..) للشاعرة بسمة المرواني.

About alzawraapaper

مدير الموقع