القصة القصيدة والتنوع في القصائد…كتاب مرافئ في ذاكرة يحيى السماوي للكاتب والباحث لطيف عبد سالم

اياد خضير / العراق
كتاب صدر عن دار تموز / سوريا للباحث والكاتب لطيف عبد سالم ، جهد كبير قام به الباحث تطرق الى سيرة حياة الشاعر يحيى السماوي منذ ولادته في بيت جده المرحوم رزاق عباس في مدينة السماوة قرب نهر الفرات وانتماء عائلته الى قبيلة آل حسن العربية، سار في مسار النضال ضد النظام الدكتاتوري واصبح مناضلا في حزب يساري، كانت طفولته غنية بالفقر والجمال اتخذ من مدينة السماوة حبيبته دائما يتغزل بها في كل ارصفة الغرب:
لا تغوي قدمي على التسكع
وحدها أزقة ودرابين السماوة
تقود قدمي كما يقود الراعي القطيع
حمامة قلبي لا تحلم
بغير نخلتها الفراتية الحفيف
اكثير على المتسكع
ان يحلم بأرصفةٍ آمنة ؟ ص41
في عام 1963 سيقوا المناضلون الى السجون من ضمنهم كان أخي رحمن سلمان حكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، كانت صرخة مدوية لكل المدن والعوائل العراقية، العدد ليس قليلا توزعوا في سجن نكرة السلمان وسجن الحلة والبعض الاخر في سجن العمارة وكذلك سجن في بغداد منطقة باب المعظم من قبل رجال الحرس القومي الذين هتكوا الاعراض واحدثوا ارباكا في المسيرة الحياتية، يحيى السماوي شاعر مناضل في زمن البعث المجرم حتى اصبح اسماً تتناقله الالسن منذ ذلك الوقت ولعلي لا ابتعد عن الصواب عندما اقول ان رهافة الشاعر وحساسيته المفرطة هي التي تغذي روحه بالوطنية وحب الناس الفقراء والمظلومين لينتج لنا قصائد وطنية تنبض حماساً وعنفواناً، مشاعر صادقة في كل مفاصل الحياة، القصائد تحمل في طياتها الحنين والصدق تجاه العراق .
قال لي الاعمى
انا ارض يباب
ليس يعنيني اذا اشرقت الشمسُ
او البدر عن الشرفة غاب
ما الذي تخسرهُ الصحراءُ
لو جف السراب ص113
السماوي يحب الوطن حباً جماً أكثر قصائده تغنى بالوطن لأنه انسان اصيل وجذوره ممتدة في اعماق اراضي السماوة وتسقى من نهر الفرات فكان حزنه عميقا عندما يرى وطنه يحتضر تلك هي المشاعر الانسانية التي يحملها الشاعر يحيى السماوي
وطني ليس هندوسياً…
وهو لم يمت بعد…
فلماذا يريدون احراقه حياً ؟ ص94
يحيى السماوي انسان واعٍ مثقف حياته حافلة بالإبداع كانت قضيته الدفاع عن المظلومين من الناس والبسطاء لأنه يحمل مشاعر انسانية تواقة، مخلص بعمله في التدريس فكان منذ نعومة اظفاره يقرأ الكتب يطلع على مختلف تجارب البلدان كتب عنه لطيف عيد سالم .
( وقد كان حقا سعيدا ومستمتعا في ممارسته لمهنة التدريس التي احبها وشغف بها حتى حدود العشق حيث كان يحاور طلابه ويعيش معهم الكدر والتعب اليومي ).
ظروف قاسية مرت بها مدينة السماوة كما المدن الأخرى فكان نصيب عائلة الشاعر يحيى المرارة والوجع الذي ترعرع في الاجساد لكن يحيى السماوي ظل حاملا المحبة والبساطة والطيبة التي اكتسبها من أمه التي تطعمه خبز التنور الحار، مقاطع من قصيدة تحمل صوراً رائعة حتى وان كانت مؤلمة.
ابي عاش عاماً ونيفاً
على الخبز والتمرِ
ما زار يوما طبيباً…
وامي، اذا جعت تشوي لي الماءَ
او تنسخُ الصوف ثوباً
فيغدو حريراً بهياً ص56
السماوي بعد ان اصبح شاباً يافعاً واصل دراسته المتوسطة والاعدادية بدأ يقرأ ويتثقف وعمل في الصحافة وانتمائه الى حزب علماني يساري كلها عوامل كونت شخصيته فاستطاع بحرفة متميزة ان يحدث تنوعاً جاذباً، فمع ثراء اسلوبه وتنوع قوالبه وأغراضه هناك تنوع في عدد الابيات، مقطوعات شعرية وقصائد قصيرة ومتوسطة وطويلة، هذا التنوع في قصائد الديوان متعدد الاغراض العاطفية، من عاطفي.. وطني والسياسي والاجتماعي ومن قصائد تزهو بالفخر ايضاً، فالقصائد جمعت بين الوصف السردي والحوار وبين المباشرة والتكثيف، يقال 🙁 ان الشعر وميض من النبض الانساني يشترك بين الناس جميعاً ) نجد القصائد الوجدانية وقصائد الحب في شعر يحيى السماوي مشتقة من الحياة كما قال عنه الشاعر ادونيس في مقدمة ديوانه … هذا جزء مما قال عنه . ( يقول ادونيس ان الشعر ليس مجرد تعبير عن انفعالات وحدها، بل هو رؤية متكاملة للإنسان والعالم والاشياء وكل شاعر كبير هو مفكر كبير ولا اخفي سراً ان تمعني في الرؤية المذكورة انفاً كان من بين اهم الاسباب الموضوعية التي حفزتني للخوض في غمار ما اتيح لي من تجربة الشاعر يحيى السماوي بأبعادها الانسانية بعد ان تيقنت من سمو منجزه الشعري المغمس بثراء فكري وحس وطني ووعي عقلاني يعبر عن ايمان بسلامة الخطى ووضوح الرؤية ) ص11
تجربة الشاعر الانسانية وتفاعله مع محيطه المجتمعي أضفى الجمالية الفنية واحتفظت قصائده بالمزيد من الحيوية فكان الديوان اضافة الى ما قلت ظهرت فيه صور متعددة للشاعر في مراحل شبابه وصور مع اصدقائه، اضافة الى قصائد النثر التي أخذت مسميات متعددة منها الشعر المنثور او النثر الشعري او القصيدة المضادة فهي تشترك مع الشعر في الصور والموسيقى والجمل المنسقة شعرياً، لقد بدا واضحا من تجربة الشاعر السماوي الوحدة والحزن والاغتراب وحب الناس الفقراء داخل الوطن وخارجه في قصائده تأخذ اشكالاً متنوعة في الحياة اغلبها حملت طابع الحزن والالم لأنه نشأ في مدينة معبأ في الفقر والحرمان، لكنها ارضعت ابناءها الاخلاق وحب الناس .. السماوة .
منذ دهرٍ
وأنا اركضُ وحدي
في سباق الفوزِ بالجنة
او بئس المصير
مرة يسبقني الليلُ واخرى أسبقُ الصبحَ
وفي الحالتين
وحدي أركضُ الاشواط والدربُ ضرير
ليتني اعرف
هل كنتُ بها الاول؟
ام كنتُ الاخير ؟ ص87
قال السماوي ( الوطن لا يظلم ابناءه، لكن القادة الزور هم الذين يظلمون ابناءه ليقول العراق بالنسبة لي ــ كما لكل العراقيين الوطنيين ــ هو كاهني وانجيلي، وحبه هو المرض الوحيد الذي لا ارجو الشفاء منه هو الوجع الذي لا استبدله بالعافية )ص83
حين عذبني وطني
قتلته في قلبي …
اين سأدفن قلبي
حين تجف سواقي النبض ؟ ص82
السماوي كان رائداً في مجال القصة القصيدة، فالشعر عنده عبارة عن مجموعة من الصور والقصص في مختلف مجالات الحياة، حيث عمد الى الاستمتاع بمعطيات الحياة كما هي، ترافقه على الدوام كلمات ثناء والده وابتسامة والدته فكان يلهو في طفولته في ازقة محلته الضيقة بالعربات المصنوعة من الصفيح والعلب الفارغة وبعض قطع الخشب.
شاء الهوى
ان يصطفي مطري
لرُياكِ
يا قديسة الشجرِ
املي علي كتاب حكمته
وخلاصة الآيات والسور
ما نفع قنديل بدونِ سنىً
او نفع قيثار بلا وترِ ؟ ص125
السماوي ابدع في مسيرته الشعرية فكانت متنوعة المضامين قصائد صوفية واخرى وجدانية واخرى تصف المعذبين في السجون كتبت عن ديوانه اطفئيني بنارك وكذلك عن ديوانه حديقة من زهور الكلمات مثلما كتب عنه الكثير من الكتاب والنقاد الكبار في اغلب الدول العربية وكذلك كتبة البحوث طلبة الدكتوراه والماجستير كلها ذكرت في هذا الكتاب، كان جهداً كبيراً قام به الكاتب والباحث لطيف عبد سالم الذي نشره في موقع الناقد العراقي للأستاذ حسين سرمد كانت قصائده نصرة للمظلومين والمعذبين فهو صاحب القلب الرقيق الذي يحمل في جسده خفة الروح يتصارع للانتصار على الظلم بالحق الكتاب يحتوي على 14 فصلا وعلى 319 صفحة من الحجم الكبير معزز بالصور شكرا للباحث وطوبى للشاعر يحيى السماوي .

About alzawraapaper

مدير الموقع