القراءة بين تصنّع التثقف وصناعة الفِكر

القراءة بين تصنّع التثقف وصناعة الفِكر

القراءة بين تصنّع التثقف وصناعة الفِكر

أحمد سامي
الكتب هي الصورة المادية والباقية لتخليد تاريخ البشر منذ لحظة الخلق الأولى وحتى فناء البشرية كما نعرفها. هذه الأيام يستعيض العديدون عن الكتب الورقية بالكتب الإلكترونية. حسنًا هذه أسرع والبحث فيها عن معلومة ما أسهل، لكن إذا انقطع الإنترنت ستقعد ملومًا محسورًا، تبحث على المعرفة التي لم تعد تستطيع الحصول عليها بشكلٍ آني كما تعودت. لذلك، يبقى الكتاب الورقي هو الأفضل مهما وصلت التكنولوجيا إلى عنان السماء. في الفترة الأخيرة منذ حوالي خمس سنوات نشطت القراءة في مصر بشدة، خصوصًا بين فئة الشباب، وهذا بسبب ظهور كُتّاب شباب كُثر جذبوا عقولهم وجوارحهم، وهذا جعل الشباب يتشدقون بقراءة هذا الكتاب أو التغني بجملة أعجبتهم دون حتى أن يفهموا مغزاها العميق والناتج عن التورية الأدبية. لذلك، أخذت القراءة عدة منحنيات هذه الأيام. قراءة تجعل الفرد يتوهم بالتثقف وامتلاك المَلَكة الأدبية، وأخرى تصنع المثقف الحق. في هذا الموضوع سنتحدث بهذا الصدد قليلًا.
عندما تشرع في قراءة كتاب يجب عليك أن تحدد الغاية والهدف من ذلك الوقت المُستغرق في تلك العملية. كثيرون قد يقولون لك أنّ القراءة ليس منها هدف، فأنت تقرأ لتستمتع يا رجل، فليس من الضروري أن تخرج بشيء مفيد من ذلك الكتاب أو تلك الرواية. لا بكل تأكيد، الكتب المعلوماتية أو الروايات الأدبية يجب أن تخرج منها بقيمة إنسانية معينة، وإن فشل هذا العمل الفني الذي بين يديك في خلق تلك القيمة والعبرة والعظة المعرفية، فلا يجب أن يُطلق عليه كتاب يستحق أن تتم مُطالعته من الأساس.
يقول الحكماء أنّه إذا ولجت منزل شخص ما ووجدت مكتبته – إذا كانت لديه واحدة من الأساس – أكبر من شاشة تلفازه، فاعلم أنّك أمام مثقف يحترم الآراء وذو علم وطبقة فكرية مستنيرة. حسنًا، أنا أتوافق مع هذا الرأي، لكن هذا بالماضي يا سيد. الآن أصاب الناس هوس اقتناء الكتب من أجل حصد آراء المديح ليس إلّا. أنا هنا لا أقصد الذين يملكون مكتبات بها كتب تفوق أقصى عدد أيام سيعيشونها، بل المماثلين لهم لكن يملكون عكس طريقة التفكير. ما معنى ذلك؟!
فالشريحة الأولى هي التي تملك كمًا مهولًا من الكتب، لكن لديهم وعي كاف لإدراك أن هذا كنز ثمين وإرث ثقافي هائل. هنا لا يهم إذا قرأ الشخص كتابًا كل شهر، أو حتى كل عام، فمادام الشخص يقدس الكتاب والثقافة من صميم قلبه، فهذا شخص يستحق أن تصادقه، أمّا الشريحة المماثلة الثانية، فأصحابها يمتلكون نفس عدد الكتب، ويمكن لهم أن يكونوا قد انتهوا من آلاف الكتب منها أيضًا، لكن في النهاية إذا قلت لأحدهم فلتعرني هذا الكتاب وسأعيده لك بعد ستة أشهر، سيقول لك تفضل بالطبع. هذا الشخص لا يقدر قيمة الكتاب، وأنّ الكتاب في هذه الحالة عرضة لآلاف الحوادث التي قد تُتلف محتواه وهيأته المرموقة!
لذلك، عدد الكتب ليس المهم، بل طريقة تفكيرك تجاه تلك الكتب. كلامي هذا يُعتبر ترسيخًا للعبارة الشهيرة “بالكيف لا بالكم”، لكن بمنظور آخر لم تتوقعوه. الناس تعتقد أنّ المثقف يهتم بمحتوى الكتاب فقط ولا يمسسه ضير إذا أعطاه لشخص آخر، لكن في الحقيقة محب الثقافة الحق يعتبر مكتبته ملكيةً خاصةً لا يُسمح لأحد بالاعتداء عليها باللمس حتى. يمكن لكم أن تقولوا على هذا أنّه مرض، لكن في الحقيقة الشخص الذي يعتز بقيمة الكتاب المعنوية، يجب عليه أن يعتز أيضًا بالقيمة المادية له، والمتمثلة في الغلاف الأنيق، الهيئة الجديدة، وخلو الكتاب من أي ثنيات أو شيء قد يلوث نقاء مظهره.
بعد حديثنا عن أسباب شروعنا في القراءة، والمُفاضلة بين الكم والكيف الخاص بالكتب. الآن بالتأكيد بات جليًّا معنى العنوان الخاص بموضوع اليوم، ببساطة قراءة الأعمال التي لا توجد بين طياتها خبرة حياتية، قيمة معرفية، إنسانية، أو فكرية، فلا قيمة لها من الأساس. أنت تقرأ كي يتفتح عقلك على العالم من حولك. أن تدرك وتعرف ما كنت تجهله ولا لم تكن تعلم بوجوده، هذه هي المعرفة، وهذه هي الغاية السامية من القراءة. القراءة هي صناعة وتطوير الفِكر، والوصول به إلى أعلى المراتب. لذلك، فالقراءة من أجل نشر المقولات المُلهمة، صور الكتب التي تقتنيها دون أن تفتحها، أو حتى وقوفك بمعرض الكتاب لتنتقي عنوانًا شهيرًا ليعرف الناس أنّك تقرأ، هذه مجرد صورة رخيصة من اصطناع الثقافة والشهرة الزائفة، أمّا القراءة من أجل الغاية، هذا حقًا أسمى الأفعال.

About alzawraapaper

مدير الموقع