القانون والتعليم العالي


Warning: ksort() expects parameter 1 to be array, object given in /home/alzawraa/public_html/wp-content/plugins/yet-another-related-posts-plugin/classes/YARPP_Cache.php on line 465

كثيرا مانسمع مصطلح روح القانون مجرد فكرة اوقناعة تتضح عند تفسير النص بجميع تفاعلاته وتظهر لرجال القانون حينما يقرأ ويمحص ويتأمل الاوراق والادلة والشواهد لكل قضية او موضوع من كل جوانبها وبعد ذالك تبدأ في الظهور والعمل كي يخرج القرار عنوانا للحقيقة .
وفي القانون يعتبر (الفيلسوف الفرنسي مونتسيكو) اول من اظهر روح النص بشكل بارز في كتابه (روح الشرائع) بالفرنسية: De l>esprit des Lois، بالإنكليزية: The Spirit of the Laws، وهو بحث نشره للمرة الاولى عام 1748 بمساعدة الروائية كلودين ألكساندرين غرين دي تينسين، والذي قال مقولته الشهيرة((القانون يجب أن يكون مثل الموت لا يستثني أحداً)).
لو تأملنا الفكرة الاساسية لوجدنا النص القانوني له(شكل خارجي) و(روح جوهرية)، وقد يكون هناك تباعد بين (النص المراد تطبيقه ) وبين (الواقعة)، لذالك يتم النظر الى المعاني الاساسية للنص القانوني فالأبواب والنصوص توحي الى معاني عامة ومن خلالها يتضح وجود الترابط بين المعاني التفصيلية والاجمالية وبذالك يكتشف روح النص عند وجود خلاف في تحديد الدلالة بدقة ، وفي الواقعة الاستثنائية تجعل تطبيق النص القانوني مجافيا للعدالة .
لذا أن النص القانوني يكون عادلا عند الالتفات الى روح تلك المعاني الشمولية المترابطة وغاياتها وبهذا تكون العدالة ليست في نصوص القانون وانما فيمن يطبق القانون ويفسره
ويفطن للمقاصد العليا منه.
فنصوص القانون ليست غاية وانما السبيل للوصول الى مايحفظ حقوق الافراد والمجتمع فهناك رجال للقانون اصدروا قراراتهم وأغفلوا روح القانون التي اشار اليها مونتسيكو وبحثه (روح الشرائع).
وأعظم من طبق روح القانون والتشريع هو النبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم كما في احدالامثلة وذالك(أن امرأة جاءت الى الرسول (ص) معترفة بجريمة الزنا وكانت حاملا تطلب ان يقيم عليها الحد بعقوبة الرجم حتى الموت لأنها محصنة ولكن الرسول (ص) تعامل معها بروح القانون لأن مجيئها بنفسها كاف في استصلاح امرها لها وللمجتمع ،وطلب منها ان تعود كي تكمل حملها ، لوجود ارتباط مصيرها بمصير نفس أخرى، ولم يسأل عن اسمها ومكانها لان الستر هو المعنى الاساسي القانوني لهذه الحالة ، وعادت المرأة من جديد والطفل بين ايديها فطلب الرسول (ص) منها أرضاع الطفل عامين ، وعادت وأصرت على اقامة الحد وهذا هو روح القانون ).
ودليل أخر حينما ضٌرب الأمام علي ابن ابي طالب عليه السلام فطلب من أبناءه عدم القصاص من القاتل أبن ملجم الا بعد وفاته، وهذا هو الكمال الفقهي القانوني.
لذا أن تطبيق القانون لايتعلق بالنصوص فقط بل بجميع المؤثرات ومنها الخارجية وملائمتها للنص لكي لاتٌفقد العدالة.
وبعد استعراض للقانون وروحه واهميتهما والفرق بينهما لابد ان نطلع على المناهج المعتمدة لتدريس القانون في جامعاتنا وكلياتنا نجد ان المنهج يعتمد على تدريس النظريات القانونية دون الاهتمام بالواقع.
وهذا النهج مقبولا في المرحلة الاولى في كلية القانون في التعليم الجامعي . ولكن ليس له مايبرره في المراحل العليا بالاعتماد على الجانب النظري طيلة الدراسة الجامعية.
مما يتضح لنا أن اساتذة القانون المحترمين في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي يصرون على التزام التعليم النظري البحت لأن ذالك أسهل لهم لغرض الترقية و معدل مرتفع بتقييم الاداء وتكرار تدريس جميع نظريات فروع القانون أضافة الى سهولة نقل المعلومة من الاستاذ الى الطالب دون الاهتمام بالمهارات القانونية التي يجب ان يكتسبها الطالب في مرحلة الدراسة الجامعية .
وأشير بذالك الى مانشرته صحيفة الزوراء (عدد 7141 يوم الثلاثاء كانون الاول 2019) الصفحة 5 بعنوان (مؤشر المعرفة العالمي خال من أسم العراق) وأشير الى كتاب جهاز الاشراف والتقويم العلميي عدد 1796 بتاريخ 28/12/2019 م الذي أكد على مقالة الزوراء .
بذالك يتضح لي من خلال متابعتي لكليات القانون في الجامعات الحكومية والاهلية منذ عقود ،لاتدرس شيء عن الواقع بل تقتصر على القانون فقط وهذا النهج هو وريث المدرسة (السنهورية والفرنسية من عام 1936-1947 م ) ومما يؤكد على ذالك قائمة الاساتذة المصريين مثل الدكتور عبد الرزاق السنهوري والدكتور محمد عبد الله العربي الذين أشرفوا ودرسوا في كلية القانون لجامعة بغداد.
أن هذا النهج يناقضه النهج (الأنكلو أمريكي ) حيث يتصف الأخير بالأفضلية لانه يكسب الطالب القدرة على التعامل مع القضايا بالنقاش الذهني وكذالك ممارسة النقد ومهارة النقاش للفكر المنصوص في التشريعات.
فلابد من القول أن كثير من خريجي القانون يفتقرون الى المهارات الاساسية التي يجب أن يكتسبها عن طريق العمل الحقوقي في وزارة التعليم العالي وكلياتها.
وأرى أن هناك ثلاثة أسئلة تتناول مستقبل الدراسات القانونية في جامعاتنا لتحقيق نموا عاليا في هذا التخصص كما تهتم بذالك كليات القانون العالمية وهذه الاسئلة تشكل ثلاثة محاور وهي الفئة المستهدفة من التعليم القانوني Who are we teaching، وسائل التعليم القانوني How do we teach Law، ما الذي يتم تدريسه What are we teaching؟.
والفئة المستهدفة يجب العناية بها في مرحلة البكالوريوس لدراسة القانون وبشرط ان نسبا مرتفعة للقبول وهذا مع الاسف في جامعاتنا الاهلية تنعدم حيث يقبل الطالب حتى بمعدل 50% ، وليس هذا فقط بل ان قسم التعليم الاهلي في وزارة التعليم العالي يفتقر الى الاهتمام بقانون التعليم الجامعي الاهلي رقم (25 لسنة 2016) حيث يٌنتهك القانون بمخالفات جوهرية لسببي� الاول أفتقار قسم التعليم الاهلي لكفاءات بمهارة قانونية .
وحتى أن كان قسم التعليم الاهلي كمديرية عامه ، فأنها غير كافية وغير مؤهلة للقيام بهذا الدور وتركت الجامعات والكليات والأهلية تحت رحمة المستثمرين والذي هدفهم الربح فقط ورغم وجود صلاحيات لرئيس الجامعة او العميد الأ انهم لايستطيعون اتخاذ أي قرار يعارض مصلحة المستثمرين لأن أستمرارهم بالمنصب مرتبط برعاية مصالحهم .
والمؤسسين أصبحوا مجرد موظفين يتلقون اللوم والمبلغ الزهيد من المستثمرين وبعلم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي التي عجزت عن الاصلاح ، مما أدى الى خروج جامعاتنا من التصنيف العالمي
أضافة الى ذالك ساهم بعض البرلمان بتشريع قانون يعد كارثة وهو قانون تعادل الشهادات دون علم الوزارة ، فلابد من طرح السؤال في من يقف وراء كل هذا الفساد ولماذا لم يٌراقب قسم التعليم الاهلي وهل أصحابه رجال قانون اصحاب مهارات ونهج قانوني؟
وعليه يجب الاهتمام بالاقسام القانونية في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ومنح الاساتذة القانونيين أصحاب الخبرة أدارة الاقسام القانونية كما كان معمولا به عام 1940 بمنح القاضي (عبد الحميد عمرالوشاحي ) مصري الجنسية عمادة كلية القانون جامعة بغداد ،وهو مؤسس القانون الدولي الخاص في العراق، مما أدى الى تخرج رجال القانون أصحاب المهارات والذهن المنفتح لمعالجة قضايا المتعلقة بالتدريسيين في الجامعات بعيدا عن استخدام القانون كنص وأرضاء لاصحاب المزايدات والمصالح الشخصية مما يؤدي الى ضياع العدالة والتوتر المجتمعي .
ولابد من التاكيد على اهمية روح القانون في ادارة القضايا والوصول الى نتائج قانونية مهمة وينطبق على ذالك ما قالة البروفيسور wisely بأن تطبيق القانون كتطبيق علم الرياضيات للوصول الى نتائج قانونية واقعية ، ويتضح لنا بان القانون أداة لربط بين العلوم المختلفة لذا سمي القانون بملك الدراسات النظرية (The King of Social Science) لدوره الرئيسي وعلاقته الوثيقة بكثير من العلوم.
وبناء على ماذكرناه أنفا وجب علينا الدعوه للاصلاح القانوني فالثقافة القانونية طريق بناء دولة القانون الضامنة لحقوق الافراد والجماعات والحاضنة الطبيعية للتعايش السلمي ووعي المواطنين واحترامهم للقانون سواء كانت هذه الثقافة تمس الجوانب الدينية والصحية والعلمية والامنية .
وعليه تصبح الثقافة القانونية مسؤولية الدولة الضامنة لأنفاذ القانون وتطبيقه ، ومع الأسف أن المجتمع العراقي منذ قرابة الثمانينيات من القرن المنصرم وليومنا هذا يعاني جهلا قانونيا بما يدور حوله من قوانين تنظم سلوكيات حياته ولكن بعيدا عن أنتقاد المجتمع وجهله القانوني ، نحاول ان نضع حلولا لمعالجة تلك الافة الخطيرة التي تعصف بنا.
لقد لمستها على وجه الخصوص في وزارة التعليم العالي وبالأخص في قسم التعليم الاهلي حيث يعمل بضرب قانون فنرى يعطي امتياز لجامعة خلال خمسة أيام دون ضوابط علمية واكاديمية ووفق قانون 25 لسنة 2016 م .
وتترك عدة كليات وعمادات أسيرة بيد المستثمرين دون تعيين عمداء لها وتباع الشهادات وما الى ذالك مما ادى الى أنهيار التعليم أما الأقسام القانونية في الوزارة والجامعات تطبق القانون بعيدا عن الواقع وبروح وبمزاجية دون رقيب وحسيب وأعود وأوكد بان الحلول المقترحه التي اضعها هي:
أولا-ادخال الحكومة ومن خلال وزارة التربية والتعليم العالي الثقافة القانونية بمناهجها التربوية لبناء جيلا منظما ومدركا لكيفية جلب حقوقه ووفق القانون والنظام بدلا استكمالا لمادة حقوق الانسان.
ثانيا-على المؤسسات الحكومية وغير الحكومية أن تعلن عن طريق كافة وسائل الاعلام اعلانات تشرح انظمتها وقوانينها لمنع الافراد من السقوط في مخالفة القوانين.
ثالثا-أن تباشر منظمات المجتمع المدني والفرق الاخرى لعقد ندوات ومؤتمرات لشرح القوانين الملاصقة لحياة الافراد من اجل تثقيفهم ووعيهم.
رابعا-ان يساهم مجلس القضاء الاعلى ومجلس شورى الدولة ونقابة المحامين في شرح القوانين ومخاطر مخالفتها .
سابعا- الزام رؤساء الجامعات العراقية بدخولهم في دورات قانونية متخصصة حول التحقيق الاداري والضمانات القانونية للموظف، ويشرف على تلك الدورات قضاة ومحامين متخصصين من محكمة القضاء الأداري لكي لايبقوا رهينة للدائرة القانونية في وزارة التعليم العالي، وهذا ليس ترفا فكريا.
خامسا-أن تساهم المؤسسات الدينية في حث المجتمع على مطالعة تلك الثقافة القانونية لكي يضمن الفرد حقوقه وواجباته. ولابد أن أذكر البابا فرنسيس حث على الحوار وفق القانون والعدل لحثه على الثقافة القانونية والاصلاح القانوني وهو جهة دينية.
فأذا ما انطلقت الدولة والمجتمع باجراءات الثقافة القانونية تنعكس على وجه الخصوص في التنظيم القانوني لوزارة التعليم العالي والهياكل التنظيمية لتشكيلاتها التي تقوم على المحاصصة وعدم الأهتمام بالأختصاص الدقيق بل الاغلبية على عدم الاهتمام بالخبرة الاكاديمية والقانونية فلاعذر لاحد بالجهل بالقانون والتطبيقات القانونية .
لذا نرى أن معاقبة التدريسيين تأديبيا دون الاستماع لأقوالهم ودوافعم وبعيد عن( روح القانون) في القضايا والمشاكل في تشكيلات الوزارة والتمسك (بالنصوص الانضباطية) من دون البحث في أسباب ودوافع ارتكاب المخالفة محل التحقيق وهذا مايسمى في القانون (مهارات التحقيق الأداري) التي تفتقدها غالبا الدائرة القانونية في وزارة التعليم العالي ،كما ان قسم التعليم الاهلي �ايلتزم بالقانون الذي شٌرع للجامعات الاهلية ، فأصبح أحد أهم أسباب خروج العراق وجامعاتنا من التصنيف العالمي فأرجوا من اصحاب القرار في وزارة التعليم العالي الأهتمام بالتطبيقات والمهارات القانونية وانقاذ التعليم في عراق الحضارات، واحتراما لقانون حمورابي.

About alzawraapaper

مدير الموقع