الفساد في إطار علم الاقتصاد السلوكي

مظهر محمد صالح

مظهر محمد صالح

لم تفاجئنىي المعلومات التي ساقها ذلك التقرير الذي صدر عن مؤسسة صندوق النقد الدولي في العام 1999 وكان بعنوان: «الفساد حول العالم». عندما اشار في واحدة من فصوله الى ان طابوراً طويلاً من المتقدمين على وظيفة في دائرة الضرائب في دولة من دول غرب افريقيا، وان كل المتقدمين يرغبون في التعيين بدون راتب. وقتها كان موظفو العراق يتقاضون راتباً شهرياً لا يكفي سوى معيشة يوم واحد او لا يسد حتى نفقات النقل الشهرية بين المنزل ومكان العمل!!
وهكذا تساوت نتيجة العمل المجاني بين الموظف في العراق وطالب الوظيفة في ذلك الطابور في غرب افريقيا خلال العقد التسعيني الماضي. وقد صار تدهور مستوى المعيشة هو الصفة الغالبة بعد ان بلغ التضخم معدلاً سنوياً تجاوز حاجز الـ 50 بالمائة، ملتهماً مدخرات الافراد من ذوي الدخل المحدود وعلى رأسها فئة الموظفين الحكوميين (الممثلين للطبقة الوسطى) لينضموا الى صفوف الطبقة الفقيرة ويشكلان معاً قوى محرومة من مصادر العيش والحياة، وهي تمثل في الوقت نفسه نسبة قدرها 85 بالمائة من الامة العراقية المعدمة، التي بات صافي مركز ثروتها (سالباً). وفي خضم الفساد النظمي الذي امسى يدار مجاناً من قوى وظيفية شبه جائعة تمارس الحرمان على نطاق واسع، اباح النظام السياسي السابق في تسعينيات القرن الماضي أمران خطيران في السلوك والتصرف الوظيفي وهما:
– حرية العمل بالاعمال الشاقة خارج ساعات الدوام الرسمي (بالنص: التحول الى عمال طين)كانت دعوة لجميع العاملين في السلك الوظيفي، ابتداءً من القضاة وانتهاءً بالمعلمين.
– السماح للموظفين العموميين بقبول الهدايا من الزبائن لكونها تجمل العلاقات الانسانية في الظرف الصعب.
ان قوة الانحدار والوهن في الجهاز الوظيفي تجسدت في ظاهرة تحول او تبدل سلوك الطبقة الوظيفية يوم ادركت ان الوظيفة الحكومية ومسؤولياتها كخدمة عامة وبدون دخل او اجر مجزٍ والاستمرار في هذا الحال الى النهاية، لا بد من ان تغير العلاقات والمبادئ الوظيفية. فممارسة الوظيفة العامة كخدمة مشرفة للجمهور و بدون مكافأة مجزية تساعد على العيش واستمرارالحياة، قد حولت حق استمرار الاشتغال في المكان الوظيفي بدون مقابل (من غير وجه حق) الى حيازة وظيفية مدرة للدخل من غير وجه حق ايضاً. إذ صار الموظف الحكومي ينظر الى نفسه عبر الهرم الوظيفي بمثابة حائز على امتياز يبيح له تسيير الاعمال لمصلحته اولاً وعلى وفق شروط الحيازة. وهكذا أشاع الفساد النظمي صراعات داخل الطبقة الوظيفية المحرومة نفسها، وهي تمارس الرشوة والابتزاز على بعضها البعض، فضلاً عن اتساع نطاق الاختلاسات من المال العام. وان مصدر تسويغها هو قوة الحيازة وقدرتها على توليد الدخل من منابعه الوظيفية غير الشرعية. وطالما لا يكافئ العمل المبذول الاجر الممنوح، فقد منحت الوظيفة العامة أعرافاً مرنة خلاف العمل والانضباط المؤسسي المعهود عند التعاطي مع المحيط الخارجي، او ما يسمى بالطرف الثالث وهم الزبائن والتوسع في تفسير حدود التعامل مع الاطراف المذكورة بمطاطية تُسوغ قبول الرشوة والابتزاز والاعتداء على المال العام. فلكون الموظف يعطي من جهده الذي لايكافئه اجراً يعتد به (اي ان العمل لايكافئ الاجر) فان الامتياز الوحيد المتاح لموظف الخدمة العامة هو التمتع بالحيازة الوظيفية من حيث الزمان والمكان والصلاحية. فالوظيفة العامة اصبحت ليست مهمة مشرفة وخدمة عامة، وانما هي حيازة دون مقابل مجز، تتطلب ان تدر دخلاً مجزياً يتناسب مع الزمان والمكان والصلاحية الوظيفية الممنوحة له سواء في قبول الهدايا او تلقي الرشوة وغيرها. وعدت الحيازة الوظيفية والاحتفاظ (بالزي الوظيفي) البديل السهل لقاء الخيار الذي منحه النظام السياسي السابق لطبقة الموظفين، وهو العمل في المهن الشاقة (البدلة الزرقاء) خارج وقت الوظيفة (تحديداً اعمال الطين) لقاء الاحتفاظ بمراكزهم الوظيفية بأجور ورواتب رمزية لا تسد رمق العيش.
تغير النظام السياسي في العراق والفساد النظمي بات ارثاً اصاب في تفشيه الجهاز الوظيفي في الدولة الكبيرة التي تعاظمت فيها اعداد الموظفين الحكوميين المعينين من 850 الف موظف في العام 2003 الى قرابة 4ملايين موظف في مطلع العام 2014 ويقال ان اشباح الموظفين ومن يتقاسم الراتب الشهري معهم من الموظفين الحقيقيين الفاسدين، او شراء الوظيفة الحكومية شيء لايستهان به هو الاخر في تجذر ظاهرة الفساد النظمي!.

About alzawraapaper

مدير الموقع