الفانتازيا في نماذج من القصة لدى منار فتح الباب

د.خالد عبدالغني
يشير مصطلح الفانتازيا إلى الأثر الأدبي الذي يتحرر من قيود المنطق والشكل والإخبار، ويعتمد اعتماداً كلياً على إطلاق سراح الخيال. ويطلق هذا المصطلح على جنس أدبي قصصي تقع أحداثه في عالم متخيل، يخضع لقوانين فيزيائية تختلف عن العالم الذي نعيش فيه، ويتناول شخوصاً غير واقعية وخيالية محضة وغرائبية غالباً، أو يصور عالماً يخضع لقوانين فيزيائية لم تُكتشف بعد، أو ميتافيزيقية تتناقض والحاضرَ والتجربة الواقعية، كما في أعمال التخييل الذي شغل المحللين النفسيين زمنا طويلا وقد أطلقوا عليه الفانتازيا كما هو المصطلح في اللغة الإنجليزية . إلا أن بعض النقاد يميزون بينه وبين التخييل العلمي من حيث إنها تصور عالماً لا يمكن أن يكون، فإذا كان الخيال العلمي جنساً أدبياً يتناول ما يمكن أن يحدث في المستقبل، والخيال الطوباوي يتناول ما كان من شأنه أن يحدث لو عاد بنا التاريخ وتجنبنا أخطاءنا، فإن الفانتازيا تتناول ما لم يحدث ولن يحدث. وينسب إليها بعض الدارسين كل ما من شأنه أن يستخدم المخيلة، حتى الخيال العلمي، ومن النقاد مَن يرى أنها جنس أدبي حديث مستقل تطور في النصف الثاني من القرن العشرين وحقق انتشاراً واسعاً في الأدب والسينما، ويتقاطع وأجناساً أدبيةً أخرى.
تناقش منار فتح الباب في نوفيلا «ظلال وحيدة» الصادرة عام 2014 وفي قالب فانتازي توق المرأة إلى التحقق من خلال الأمومة والإنجاب بغض النظر عن أن الأب هو الحبيب أم مجرد زوج و»ظلال وحيدة» تمتلك لغة رهيفة شاعرة تعبر عن الجوارح والمشاعر الدفينة . فهي شاعرية دائرية عالية المستوى خلفيتها حقيقية إذ تحكى مأساة مصرع «مها» الجميلة في حادث مروع، والتي تركت ابنا صغيرا يتيما، وتكمل «مي» حياة «مها» بتبني ذلك الطفل، وقد تأخرت في الإنجاب، وتحكى تداعيات هذا الحدث الجلل وتبعاته. وتناقش فلسفة الحرمان من الحمل والأمومة.وكيف تختصر حياة امرأة فى مجرد كونها ستكون أما أم لا أمام المجتمع،.. نوفيلا شاعرية بطلتها «مي» وهى بطلة تخيلية تشبه المؤلفة كثيرا، و «آسر» زوج «مى» ، ثمة شخصيات كثيرة بها من التخيل أكثر من الواقع إنهم أطياف تأتي وتروح وتقف وتطير وتمشي وتسبح ، وهناك الطفل ابن مها الذي تيتم بعد مصرعها. وهناك الحبيب السابق لـ «مي» فى المغرب «أيهم». وهناك شخصية «تميم» طفل لم يولد قط ظل متخيلا طوال الرواية وحاضرا في مشاهدها . وكم تمنت «مي» وجوده فقدظل طيفا وهميا فى رحمها يتشكل لكن لا يولد داخل النص ولكنه مؤثر أيضا، فـ «مي» التعيسة فى حيرتها الوجودية فهي تسعى دائما إلى أن تبحث عن سر الوجود وسر السعادة، تحاول خلق عالم موازٍ للواقع يسعدها لكنها تفشل كسيزيف، فهي مثالية والواقع معذب، وهناك تتساءل عن كينونة وجودها، كينونة الوجود كله، وهناك الحديث عن الحرمان من الإنجاب الذي يغزل مشاعر أنثوية دقيقة جدا لحدث مؤلم لدى المرأة. فـ «مي» تحاصر بين الماضي والحاضر وتناقش المستقبل، وتعرض سؤالا مصيريا.ماذا لو لم تنجب هل هذا هو الموت؟ لكنه خفي..ليس الموت موتا فيزيقيا. الموت الحقيقي هو الموت النفسي ، موت النفس بالوحدة والحرمان وعدم تقبل الآخر وعدم القدرة على تغيير الواقع بزيفه، فـ «مها» ماتت موتا فيزيقيا و «مي» ماتت بعدها موتا نفسيا حاولت التشبث بتحقق الأمومة كي تنجو وتصبح امرأة في المجتمع الممتلئ بالزيف لكنها تفشل لأن الأجنة تبقى في رحمها ولا تولد، يريد زوجها «آسر» أن يسيطر عليها وهي تلجأ له كي لا تكون وحيدة لكنها تصطدم بشخصيته المسيطرة التي فيها من الجنون قدرا مؤثرا فتعود إلى كهف وحدتها مرة أخرى تجتر ذكرياتها وإلى ذكرى «مها» قريبتها التي ماتت في حادث وتركتها وحيدة. كما تعرض لقضية الاقتران بشخص ليس مثلك ولا يشبهك هو يعتقد أنه كرجل سيسيطر على زوجته ، لكن قناعاتها حول الحياة كانت عميقة وأحيانا متشعبة وغير قابلة للتغيير ، هي ترفض السيطرة الذكورية.وتدور في «ظلال وحيدة» أيضا مناقشة حول الوحدة، وكيف تدفع الإنسان إلى أن يقبل إنسان آخر يعيش معه وهو غير متآلف معهوأنها قد تقود إلى الجنون، وقد يكون جنونا خفيا، إلى جانب فكرة الحب الأول وأن فقدان الحبيب الأول يلقى بظلاله على الإنسانمدى الحياة ولا يلقى السعادة أبدا إذا ما تثبتت لديه هذه المشاعر التي صاحبت ذلك الحب الأول. والأجنة هنا تعد أبطالا للرواية فقد تمنت «مي» لو تتزوج حبيبها وتنجب منه لكن القدر لم يمهلها لذلك، وظلت تعانى الوحدة لآخر رمق . وكانت تظن أن الأمومة سوف تنجيها منها.
في قصة رائحة الأشجار نرى الفتاة ماتت قهرا، وروحها تسربت إلى قطة تزور المنزل بين حين وآخر ، وقد اختلطا معا ، وفي هذا المعنى ما يشير إلى الفانتازيا الكونية ذلك التيار الذي نشأ مع منتصف القرن العشرين تقريبا، وإذا ما عدنا إلى تاريخ كتابة القصة وهو عام 1995 يتأكد لدينا أن الأديبة الشابة منار فتح الباب يومذاك تعد من رواد ذلك النوع من الكتابة في جيل التسعينيات في ذلك الوقت إذ لم يكن شائعا هذا النوع من الكتابة كما هو الحال في أيامنا تلك، إنه عالم نفسي واسع مترامي الاطراف عميق،ركزت الأديبة على معالم الحلم والكابوس والتصوير الأسطوري لباقي الأحداث فتقول عن الفتاة وهي تصف حالتها :”تعيش قصائدها ويختلط الفجر بالمساء كل يوم ويتكرر كابوسها بسقوط ثلاثتهم في بالوعة مظلمة مستديرة وموتهم غرقاً.، وفي مشهد آخر تقول عن الأم والطفلة معا :” تغمض الأم عينيها وتمضى الفتاة للغوص في مهدها وقد تجمد جسدها، فيختلط الحلم بالموت والطنين الغامض.. تنام صباحاً وتمتلك الشوارع والليل بين حناياها، فتظهر جميلة في حلم الأم داخل مركبة أسطورية لزفاف مستحيل يجرها فيل من اليمين وفرس من اليسار”. إنه عالم الفانتازيا الساحر والأسطوري أيضا، ويرحب بالموت بديلا عن الحياة أحيانا ومرادفا للراحة الأبدية، ولكن يظل السؤال حول تجربة الموت وأشكال البعث المختلفة لدى الأديبة منار حسن فتح الباب قائما ؟. في ظل خطابها الإبداعي الذي يتكون من منظومة واحدة فلسفية من التأمل للبشر والكون ومصادر العيش والإحساس بالوحدة والكتابة بروح ودم ساخن لازماها طوال رحلتها الإبداعية.

About alzawraapaper

مدير الموقع