العراق ومنظمة التجارة العالمية: تقييم الكلفة الفرصية للانضمام

مظهر محمد صالح

مظهر محمد صالح

تبنى العراق منذ العام 2003 سياسات انفتاحية واسعة نحو العالم وسعى الى تأسيس قواعد اقتصادية وتشريعية مهمة تعمل وفق آليات نظام السوق، اذ ساعد جلها على تحسين تجارة العراق الخارجية، بعد حصار اقتصادي دام اكثر من عقد ونيف من الزمن ادى الى تهميش العراق على خارطة النظام الاقتصادي العالمي وحرمانه من فرص الاستثمار والتقدم والتنمية والمعرفة التكنولوجية التي كان ينبغي ان تعينه على مواجهة المستجدات والتطورات السريعة التي حصلت عليها الاسواق الدولية وتغيرت قدراتها التنافسية بشدة خلال العقدين الماضيين في الأقل.
وهكذا انعزل العراق عن محيطه الدولي في خضم عالم اجتاحته تيارات اندماج شركاته وتحرير اسواقه وتكاملها ولاسيما المالية منها وسيادة المذهب الليبرالي الجديد الذي اقتضى تحولات اقتصادية واسعة في مجال المعلوماتية غدت تنسجم واممية النشاط الانتاجي عبر الدور الذي صارت تؤديه الشركات المتعددة الجنسيات وازدياد الميزة التنافسية للمنتجات التي بدأت تولدها اسواق العالم .
وعلى الرغم من ذلك،نجد في تكامل الاسواق المالية التي زادت قيمة اصولها على 850 تريليون دولار، هي العنوان الرئيس للعولمة المالية وبؤرة الهيمنة الرئيسة في عالمية الاقتصاد الليبرالي الجديد وهي تمثل في الوقت نفسه ديدن الانتقال في محاور التجارة الدولية ومقدمة التحول من نطاق اتفاقية الجات GATT الموقعة في العام 1948 الى اتفاقية منظمة التجارة العالميةWTO ، حيث انصبت الاخيرة على تنظيم طيف واسع من تجارة الخدمات ولاسيما الخدمات المالية والتي سميت ملاحقها باتفاقية GATS في 1994بالاستناد الى جولة اورغواي.
ففي الوقت الذي لايتعدى فيه الناتج الاجمالي و لحوالي 192 اقتصاد في العالم 83 تريليون دولار سنويا في الوقت الحاضر (وكذلك لم تزد قيمة التجارة العالمية من السلع والخدمات سنويا هي الاخرى الا اقل من ثلث الناتج العالمي المذكور انفا) نجد ان التجارة في تحويل العملات والمضاربة فيها والحركات الرأسمالية قصيرة الاجل تزيد على حوالي 4ونصف تريليون دولار يوميا في الاسواق النقدية والمالية الدولية وهي تجارة مضاربة مالية يزيد مجموعها السنوي على اكثر من خمسين مرة من مجموع التجارة العالمية في نشاط السلع والخدمات .
وفي خضم هذه التبدلات في الفضاء التجاري والمالي الدولي ، انتقل العراق الى مستويات تنظيمية مهمة في التحول الى اقتصاد السوق لكسر اثار عزلته الدولية عبر الانخراط في مساحة قوية من الليبرالية الاقتصادية والتي تركزت في تحرير مجالات تجارة العراق الخارجية من السلع والخدمات وسبل تمويلها، على الرغم من تقلب تنظيمها، وكذلك تطور واتساع مجالات التقدم الحاصل في بعض الخدمات المالية وتحسين بيئة الاستثمار الاجنبي من خلال تشريع قانوني المصارف والاستثمار وقانون البنك المركزي، بما يسمح للمصارف الاجنبية العمل في العراق ويسمح بانتقال رؤوس الاموال والعملة وعلى نحو يخدم انفتاح العراق على العالم في ظروف اقتصاد ريعي مركزي صعب المراس في تفهم ليبرالية السوق ، والتي ادت مع ذلك الى توفير فرص ايجابية واسس قانونية وتنظيمية واعدة لبيئة الاعمال العراقية. الا ان كل ذلك لايكفي لوضع العراق على مسار المنافسة الاقتصادية الدولية. اذ مازال هناك اكثر من خمسة آلاف نص من النصوص التشريعية المعرقلة للحرية الاقتصادية ونشاط السوق، تتولى الاوساط القانونية دراستها والتي يقضي الحال تعديلها لكي يتمكن العراق من الاندماج في التجارة والاستثمار الدوليين وتهيئته للانضمام الى منظمة التجارة العالمية وفق شروط العضوية فيها كي تحصل بلادنا على شرط الدولة الاكثر رعاية ومبدأ المعاملة الوطنية.
الا ان من مفارقات الانضمام تتمحور في قضيتي النفط والزراعة اضافة الى مشكلات الانضمام الاخرى .
ففي الوقت الذي يهيمن فيه الانتاج في القطاع النفطي على نسبة تقارب 50%من مكونات الناتج المحلي الاجمالي للعراق الا ان ذلك القطاع لايستخدم سوى 2% من قوة العمل العراقية و تشكل صادرات البلاد من النفط الخام وعوائده النسبة العظمى شبه المطلقة من الصادرات الكلية وايرادات الموازنة العامة وحصيلة البلاد من النقد الاجنبي . وازاء ذلك كله ، تستبعد منظمة التجارة العالمية النفط الخام بكونه سلعة ضمن مجموعة السلع الخام التي يتاجر بها دولياً ، وهو الامر الذي مازال يشكل جوهر التناقض في انضمام العراق الى تلك المنظمة التي تستبعد النفط الخام . ولو سمحت منظمة التجارة العالمية بأدخال النفط في الحسبان لترك السعر يتحدد بالعرض والطلب العالمي بعيدا عن كارتيل او تجمعات المستهلكين والممثلة بالمنظمة الدولية للطاقة وخطوطها وبرامجها في ترشيد الطلب على النفط . او بعيدا عن كارتيل او تجمعات المنتجين الممثلة بمنظمة البلدان المصدرة للنفط (اوبك) ودورها في تقنين الانتاج والتأثير على الاسعار ، وهو الامر الذي وضع قيودا سعرية وكمية لسلع تجارية ولكن استراتيجية وسياسية في الوقت نفسه والتي تعد القوة المحركة لتجارة العراق الخارجية .
وعلى الطرف الاخر من الاقتصاد العراقي، نجد القطاع الزراعي الذي يضم اقل من ثلث سكان العراق وحوالي 22% من قوة العمل العراقية ولايساهم في الناتج المحلي الاجمالي الا بنسبة لاتتعدى 5% مما جعل البلاد مستورد شبه صافٍ للغذاء او السلع الزراعية التي تزيد قيمة استيرادات البلاد منها على 14 مليار دولار سنوياً وان هذا القطاع المهم الذي تعرض للعسكرة والاهمال على مدى الاعوام الثلاثين ونيف الماضية ، لايمتلك المقومات الكافية في توفير الامن الغذائي من الحبوب او مستلزمات الانتاج الزراعية بعد تقلص المساحات الزراعية المنتجة بفعل التصحر والتملح وازمة المياه الاخيرة التي حذفت مايزيد على 50% من الاراضي المعدة للزراعة إضافة الى تدهور البنية التحتية الزراعية التي تهيمن الدولة على 83% من مكوناتها كسلعة عامة .
وهنا يتناقض القطاع الزراعي مع القطاع النفطي هيكلياً في اتجاهات الانفتاح على السوق العالمية وبجناحين مختلفين من حيث تأثير المنافع والتكاليف التجارية. فقد اصبحت قوى السوق الدولية او العرض والطلب العالمية تتحكم بقوة، سواء في الطلب على النفط وتأثيره على قيمة الصادرات العراقية او في عرض المواد الغذائية وتأثيرها على كلفة استيرادات العراق منها .
وعند الرجوع الى فلسفة خفض القيود الكمركية بنسبة تبلغ 24% والغاء القيود غير الكمركية وهي الشروط التي تفرضها منظمة التجارة العالمية على الدولة العضو في مجموعة البلدان النامية للعمل بها وتطبيقها خلال مدة ست سنوات من تاريخ الانضمام ، فضلا عن خفض الدعم الزراعي بنسبة 13.3% خلال مدة عشر سنوات من الانضمام .نجد ان تلك الشروط التنظيمةً لمنظمة التجارة العالمية تصطدم مع شروط واوضاع السوق الزراعية وبورصة المواد الغذائية العالمية نفسها. فإذا ما نظرنا الى الاحتكارات الزراعية في العالم إزاء تدهور التنمية الزراعية في العراق ، نجد تهديداً حقيقياً للامن الغذائي الوطني يقيد البلاد في حالة الانضمام الى المنظمة ما لم يسبقه البدأ او السير في برنامج زراعي للاكتفاء الذاتي فوراً ونحن حقا سنكون بحاجة الى ثورة خضراء على غرار ما قامت به المكسيك والكثير من بلدان امريكا اللاتينية . خصوصا اذا ماعرفنا ان هنالك ما بين 3 الى 6 شركات احتكارية كبرى في العالم تسيطر على 80 الى 90% من تجارة المحاصيل الزراعية والتحكم بالاسعار والكميات مثل الحنطة والسكر والشاي والقهوة والقطن … الخ. في وقت مازالت تهيمن عشر شركات متعددة الجنسيات على ثلث انتاج وتجارة البذور والمبيدات في العالم .
وعلى الرغم مما تقدم فإن دخول العراق والانتظام في الفضاء الاقتصادي العالمي عبر منظمة التجارة العالمية وتعامله مع المجموعات الدولية بشروط تسري على الجميع من الناحية الشكلية في وقت مازال فيه العالم منقسم بين دول الشمال والجنوب او دول المركز الصناعي المتقدم والمحيط النامي ، فما على العراق من خيار في مغادرة عزلته الدولية التي ورثها منذ الحصار الذي بدأ في العام 1990 والذي وضع العراق تحت طائلة الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة او ذيوله، وهو الفصل الذي مازالت آثاره توفربيئة اقتصادية سالبة معادية للتنمية وربما معرقلة للاندماج الطبيعي في السوق العالمية. حيث يحظر هذا الفصل مستويات من الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة او التعاطي ميسر فيها مع العالم بسبب مايفرضه من قيود على بلادنا بكونها من البلدان عالية المخاطر ومهددة للسلم العالمي واباحة استخدام القوة ضده في ارث مؤسف على حضارة وادي الرافدين على الرغم من زوال الاسباب الموضوعية التي فرض الحصار الاقتصادي بموجبها على العراق. منوهين بأن انضمام العراق الى مناطق اقتصادية اقليمية ، كمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى وغيرها من الاتفاقات الاقتصادية في نطاق الجامعة العربية او غيرها من اشكال التكامل والاندماج الاقليمي ، لابد من ان تضع في الاعتبار تنفيذ الاحكام الواردة في اتفاقية منظمة التجارة العالمية ومن قبلها اتفاقية الجات والتي اصبح كلاهما قيداً ملزماً على تنفيذ الاتفاقيات التجارية . وبهذا فإن اية تسهيلات تجارية في اطار الاتفاقيات الاقليمية تصبح دون فائدة او قيمة اذا كانت هي ما دون التسهيلات المقدمة في اطار منظمة التجارة العالمية .
ختاما ، ان بقاء العراق منعزلا عن محيطه الدولي سيكلفه الكثير بسبب فقدانه للمزايا والفرص التنظيمية والمنافع التكنولوجية والقانونية والمجالات الاخرى في الاستثمار والتحكيم ، وهي الفرص التي لايوفرها له الانعزال عن العالم ولايمكن من التحول التدريجي الى مجموعة البلدان المستقرة والقليلة المخاطر ، ذلك التحول الذي يشجع على التعاون الدولي في بيئة استثمارية وتجارية عالمية امنة شريطة البدأ بتنمية فاعلة تقوم على برنامج الدفعة القوية.

About alzawraapaper

مدير الموقع