العراق ومفترق الطرق

أحمد الجنديل

أحمد الجنديل

عندما يفقد الحوار مقوماته الموضوعية، ولا يملك سوى أسلوب الدم، ذلك هو الخراب بعينه، وعندما يتمنطق المحاور بالرصاص، معتقداً أنه الطريق الأمثل للتغلب، فهذا هو الإفلاس بعينه، والمعترك السياسي في العراق يشهد اليوم كثيراً من لغة الحوار الدموي، وقليلاً من لغة الحوار الموضوعي، تحت مظلات الشعارات الكبيرة والعناوين الفارغة، والساحة السياسية في العراق تتدفق بسيل المحن والكوارث والأزمات، وأطراف المشهد السياسي لا يروق لهم خوض المعركة إلا عن طريق الرصاص، للبرهنة على أنهم أصحاب الحق المطلق الذي لا يأتيه الباطل ولا ينوشه الشك، وكلما ارتفعت لعلعة الرصاص، وتصاعد نزيف الدم، وازدادت طوابير الأرامل والأيتام، هتفوا للديمقراطية والسلام.
وممّا يزيد الفجيعة عمقاً، أنّ رماح القوم تغرس في صدور الفقراء والمظلومين من شعب العراق.
وممّا يزيد الكارثة قبحاً، أنّ الذين يسقطون كلّ يوم من القتلى هم من الذين لا حول ولا قوّة لهم من شعب العراق.
وممّا يزيد المحنة اتساعاً، أنك لا ترى في الأفق بارقة أمل لتعطيل ماكينة الموت التي يديرها أبطال المشهد السياسي، والتي لا تطحن إلا الأبرياء والمقهورين من شعب العراق.
وبدلاً من أن يعتمد الحوار على لغة التراحم دون التخاصم، والجدال دون القتال، من أجل خلق إستراتيجية واضحة تؤدي إلى انتشال العراق من محنته، وهدف مركزي يفضي إلى استقلاله واستعادة كرامته وحريته، إلا أنّ التمسك بمنهج حوار الرصاص من قبل بعض الأطراف ما زال قائماً وفعّالاً، لأنهم لا يملكون طريقاً بديلاً عنه.
وبرغم أنّ هذا الأسلوب المتخلف قد أثبت فشله الذريع، وأفرز مشهداً عقيماً، إلا أنّ (كهنة الفكر وشيوخ الموضوعية) يصرّون، بعناد، على أنه الطريق الأوحد الذي يحسم الأمور باتجاه تحقيق الأهداف المركزية التي تنسجم وتطلعاتهم في معالجة الملف السياسي.
إنّ ما يحدث في العراق جاء نتيجة حتمية منذ دخول القوى السياسية الفاعلة إلى دائرة (الصراع)، وهذه الدائرة لا تعرف إلا أسلوب القوّة وفرقعة السيوف، والمنتصر فيها من يمتلك مفاتيح البطش، وهي دائرة تفضي إلى شريعة الغاب، وليس بإمكانها أن تحقق هدفاً واحداً يصبّ في مصلحة الوطن والشعب، وإذا استمرت هذه القوى محصورة في هذه الدائرة، فسيحل، في القريب العاجل جداً، طلاقٌ لا رجعة فيه بينها وبين الشعب بكل أطيافه ومكوناته، وإذا لم تنقل هذه القوى نفسها من دائرة (الصراع) إلى دائرة (المنطق)، فستأتي النيران لتأكل الجميع.
إلى اللقاء…

About alzawraapaper

مدير الموقع