العبور الى الشاطئ الآخر

احمد الجنديل

احمد الجنديل

في زمن الشعارات المنظورة والمسموعة وهي تتناول المدح والقدح لهذا الطرف أو ذاك ، وفي مرحلة الحناجر التي أتعبها الهتاف، بدأت الحياة يصيبها الوهن وتسير بالمقلوب نتيجة حالة الانفصام بين القول والعمل، بين التصريح والممارسة ، وبدأ الاحباط يفرض سطوته على الجميع وسط صخب الشعارات الكبيرة والأفعال الصغيرة .
شعارات السنوات العجاف التي مرت علينا لا يربطها رابط ، ولا يوجد بينها قاسم مشترك، ولا تتمتع بالانسجام ، وهي بالنهاية لا تمنحنا غير المزيد من التمزق والتفكك والضياع .
في وطني العراق جحافل من الفقراء تبحث عن رغيف الخبز ، ولا يهمها فلسفة الأحزاب، واجتهادات النخب، وحديث الصقور ، والخبز للفقراء أكبر من الشعار وأثمن من الهتاف وأغلى من التصفيق. وفي وطني العراق من ينشد الأمن والأمان ، وتوفير الخدمات، والاهتمام بالماء والكهرباء والتعليم دون الالتفات الى كثرة الشعارات التي تستقبله عند بوابات المدن، وليس مهتما بالجهة التي تحقق مطالبه سواء كانت تنتمي لهذا الخندق أو غيره.
بلا مقدمات ولا رتوش نقول ان الحياة أكبر من أي حزب أو تجمع ، والوطن أوسع من أي طائفة، والعراق يحتاج الى فعل وممارسة تشبع الجائع وتعالج المريض وتنمح الامن للخائف ، وتعلم اطفالنا صنوف المعرفة، وهذا لا يتحقق الا بجهود أبناء العراق عندما تكون الهوية الوطنية أساس العملية السياسية ومصدر التشريعات ومنبع التحركات.
منذ احتلال العراق والشعارات تفرخ شعارات، والهتافات تتلقح بهتافات، والمشاورات تنجب مشاورات جديدة ، والاختلافات تتصدر نشراتنا الاخبارية دون أن نمسك بالخيط الابيض الذي يهدينا الى بوصلة الوطن، وما زالت الأطراف تجتهد في صياغة حججها، وتتفنن في طرح شرعيتها ، ولا زالت الوجوه تلتقي وتتعانق وتجتمع من جديد ثم تختلف من جديد ، ولا زال العراق بعيدا عن مسرح الاحداث، وكل فعل لا يحركه العراق وشعب العراق لا يتمخض عنه سوى المزيد من الأزمات.
الوطن لا يحتاج الى فلسفة معقدة، ولا الى نظرية شائكة، والوطنية لا تؤمن بالطرق الوعرة، والشعوب تتطلع الى من يحقق لها آمالها في العيش الكريم والحياة الحرة السعيدة ، والجياع لا تشبعها الشعارات حتى لو كتبت بماء الذهب ، والطالب للأمان والاستقرار لا يلتفت الى الهتافات حتى لو ارتفعت الى عنان السماء، والمرضى لا تعالجهم كثرة التصريحات التي يستقبلونها كل صباح، والحياة لا تتقدم الا بمنطق التسامح والمحبة بين أبناء الوطن، والنفوس الكبيرة المضيئة المترعة بحب الصدق والخير هي الكفيلة بأن تنقذ العراق وشعب العراق، وتدفعه الى الشاطئ الآخر، شاطئ الأمن والأمان والسلام.
الى اللقاء .

About alzawraapaper

مدير الموقع