العباس بن الأحنف…صحبة القصيدة الواحدة

ابراهيم محمود
اليمامي العباس بن الأحنف، والمتوفى سنة 192ه/809م، الذي اقتصر في شعره، بشكل عام على الغزل، وليس سوى الغزل، هل يمكن عَدّه شاعر القصيدة الواحدة؟ قد يكون هذا القول تقريرياً، أو انشائياً، ولكنه يظل قابلاً للأخذ به، ليس لأن في ذلك غمطاً لحقه، وإنما لأن القصيدة التي اعنيها هنا، تجمع بين جملة أوصاف/أطياف، هي حالاته النفسية، وقد تمحورت حول رغبة واحدة، متنوعة في مكوناتها ومواردها القيمية، أو حتى الأثرية، أعني من ناحية استتباعاتها الاجتماعية، وفعل التذويق في بنيتها، هي رغبة الحب، حب الآخر المتخيل لاحقاً، والآخر الذي كثيراً ما يظهر في شعره، حيث يمكن تحري خيوط مختلفة في نسج عالمه الدلالي أو الجمالي .
ابن الأحنف شاعر الغزل الرقيق، وهو يعيد هنا ابن أبي ربيعة، مع فارق كبير طبعاً، من حيث الجدة والبراعة في التعبير . إن خطوط اتصال الشاعر هنا، تظل سالكة، مثلما أن محطاته تتراءى في الكثير من وجوهها معلومة، أو مألوفة، كون الصور المستخدمة عنده، وما فيها من لوعة، وتجسيد لغواية الآخر . إن الطفرة الشعرية، هي التي تفتتح لحظتها الشعرية، هي التي تشي بتنوع العلاقات الشعرية، مع العالم اللامتناهي، وكذلك المتناهي بحسب الوعي المحيطي للسائح الشعري، وكيف أن جغرافيا متخيلة، تقصر عن بلوغ السمت المفصح عن أن أفقاً أرحب مما هو منظور، قد انبرى هنا، مسمياً شاعره فعلياً، وكما يستحق .
ثمة وعي لما هو مديني، لأن الشاعر، يكون هنا ابن المدينة، ويتعامل مع مفرداتها، مثلما يظهر تأثره بثقافتها، وفي الوقت ذاته، لا يخفي انخراطه في مظاهرها الأكثر مألوفية: الاقتراب من الحبيب ولعله في الكثير من شعره، يعتمد أسلوب المقطوعات الشعرية، والتي تترجم تلك لحالات الشعرية المختلفة، أو اللحظات التي تتملك عليه وعيه:
إليك أشكو رب ما حل بي
من ظلم هذا الظالم المذنب
صب بعصياني ولو قال لي:
لا تشرب البارد لم أشرب
إن سيل لم يبدل وإن قال لم
يفعل وإن عوتب لم يعتب
ظلوم يا ظالمتي إنما
قلت لك الحق فلا تغضبي
إن الآخر، يتوقف في حدته، على مدى انخراط المحب في تجربة الحب، وكيف يتحدد موقعاً، ولعل الشاعر، وهو يضفي على محبوبه، ما يتجاوز به حدود الواقع، إنما يريد أن يبدع مفارقة في العلاقة، لكي يبرر لنفسه، كل هذا البلاء الناجم عن تجربته المتصورة، وفي الوقت ذاته، يكون تعبيره نافحاً بجانب وجداني معلل من ذاته، وفق خط مستبصر من لدنه، يودعه ألوان رغبته النفسية، به يكون شعره في امتداده غير المستقر .
صحيح أن ثمة ما يصرح به الشاعر، وهو توقيره للمرأة، ولكنه الحب الذي يرتد إليه، ومن خلال الظروف التي تحيط به . وإذا كان ممكناً القول، على أنه يكون مختلفاً عن الآخرين، وله خط اتصال مغاير عنهم، إلا أن هذه المأسوية المقضة للنفس، لا أظنها ترتقي إلى سوية الواقع، إنما إلى مستوى الذات الأخرى، تلك التي ترغب في الدخول في مزايدة مع ذاتها ضمناً، وهي في وضع لافت، يمكن استجداء عطف الآخرين، وقلب المعادلة، أي جعل خط الاتصال مرسوماً من خلال من يراهن عليه حباً، وهذا المراهن عليه، أقل من حقيقة المصرح به، سوى أنه يصعد من شأنه، ليكون محور النظر والحركة. أما أن يرى الباحث أن في شعره هذا، محاولة تطهير للمجتمع، فلا يظن ذلك بقدر ما أن العالم الذي يصطنعه الشاعر لنفسه، وينتظم من خلاله، استجابة لذات المكنون، مكنونه، والآخر ملحق به .
إن تصريحه القولي أو الخطي اللافت، وهو:
ولقد قلت والهموم ركود
ودموعي على الرداء تجود
يا بني آدم تعالوا ننادي
إنما نحن للنساء عبيد
من يلمني على النساء ألمه
أنا والله للنساء ودود
ربما هو توق إلى النساء كما يتصورهن، ولكن ليس من أجل النساء، وحوله ما لا حصر له منهن، بقدر ما هو خوف من ذهاب موضوع حبه، من زوال ما يملكه قوة وطاقة وحب، وأن النساء اللواتي يقصدهن، يظللن في حدود الواقع المدنّي من قيمة النساء، وأن ابن الأحنف، وهو يعذب نفسه، أو يقتدي بنموذج في الحب، يكون هو مداره، تأتي جغرافية متخيله، غير قادرة، كما أرى لمنح شعره الطليق هنا، تلك الطلاقة في المعنى اللامألوف، وإنما طلاقة الرغبة المعذبة له، بحيث تكثر القصائد التي تسفح فيها الدموع، كما لو أنه مجنون ليلى .
إن علاقة الشاعر مع من يحب، تستعرض طبيعته الذاتية، أكثر مما تستعرض وجه الآخر، وجه الأنثى، خصوصاً، أن اللواتي يذكرهن في شعره، من الجواري، أو من اللواتي تعلق قلبه بهن، وهذا الارتحال من وجه إلى آخر، وبهذه الطريقة، كما لو أنه تزوجهن دفعة واحدة، وفي الوقت ذاته، سريعاً وفي كل الخطوط التي ترسمها له مخيلته النفسية، محاولاً لفت أنظار الآخرين إلى خطبه، وهو خطب معد بطريقة نفسية، لا أظنها تتفق ومفهوم الحب الذي يمارس وفاقاً ما، بين قلب وآخر، وهنا يكون قلب الشاعر منقسماً على نفسه، إزاء أسماء اللواتي يخاطبهن، مثلما يتحول إلى وجوه أخرى، تنتفي فيها صفة الحبيبة بالتقابل، أي في خطاب التذكير، وهي عملياً حصيلة معايشات واقع، أو الثقافة التي يظل مندمجاً فيها، وإن بدا محاولاً الاعتزال، أو التمايز، وفي العمون الأعم، ولو أن ثمة كماً أثيراً من شعر ابن الأحنف، يلفت نظرنا، ويعلمنا بطول باعه في تجربة الحب، لكن يظل الذي يشغلنا هذا الانغلاق على عامله الداخلي، رغم الفسحة الهائلة من حوله، وذلك الدوران حول الذات، بحيث تظل جغرافية متخيله الشعرية عاجزة عن تحقيق حلم الشاعر الأثير، وهو أن يشد العالم إليه، أن يمارس فتنة الشعر، يؤصلها، موحياً ومفضياً إلى حضور الأفق اللامتناهي في الشعر، كما المعزز شعرياً، لكن لا استقلالية الآخر، من يحب هنا، وجه من وجوه ضيق الحدود التي يطلق فيها رؤاه الشعرية، فالآخر هذا، وجه من وجوه افتتانه بذاته .

About alzawraapaper

مدير الموقع