العاطفة في شعر المتنبي

لميس عبد الواحد
ككلِّ شخصٍ قرأَ للمتنبي وتعرّفَ على أشعارِهِ ذاتَ الصبغةِ النرجسيّةِ والمدحِ ووصفِ المعاركِ والهجاءِ، تساءَلْتُ عن موضعِ المتنبي من الغزلِ والحبِّ والزواج والمرأةِ بشكلٍ عام. وطالما سمعْنَا عنِ اقترانِ أسماء الشّعراء باسماء حبيباتِهم كـ«جميل بثينة» و«مجنون ليلى» و«عنترة وعبلة» لكن لم يسبقْ لنا أنَّ المتنبي اقترنَ اسمُهُ باسمِ محبوبةٍ أو امرأةٍ على وجْهُ التّحديد.. أمّا عنِ المرأةِ في شعرِ المتنبي قد كتب عنها بنوع من المساواةِ بينها وبينَ الرّجل وجاءَ في مرثيّةِ أمِّ سيفِ الدولة:
وما التأنيثُ لاسمِ الشّمس عيبٌ
ولا التّذكيرُ فخرٌ للهلالِ
وإضافةً علی ذلكَ غزل المتنبي للمحبوبةِ الغامضةِ والّتي يصفُها في اشعارِهِ دونَ الايحاءِ إلی من تكون:
هامَ الفؤادُ بأعرابيّةٍ سكنتْ
بيتاً من القلبِ لمْ تمدد لهُ طنبا
ﻛﺄﻧّﻬﺎ ﻛﺎﻟﺸّﻤﺲِ ﻳُﻌﻴﻲكفَّ ﻗﺎﺑِﻀِﻪ
ﺷﻌﺎﻋﻬﺎ ﻭﻳﺮﺍﻩُ ﺍﻟﻄّﺮﻑ ﻣﻘﺘﺮﺑﺎ
بحرٌ عجائبه ﻟﻢ ﺗُﺒْﻖِ ﻓﻲ سمرٍ
ﻭﻻ ﻋَﺠﺎئب ﺑﺤﺮٍ ﺑَﻌﺪَﻫﺎ ﻋَﺠَﺒَﺎ
وليسَ هذا فحسب وإنّما الأهم وزبدة الكلام أنَّ هناكَ مَنْ ذهبَ أنَّ أبي الطيّب أحبَّ خولةَ وهيَ أختُ سيفِ الدولةِ الحمداني الّذي لم تكنْ علاقته بالمتنبي علاقةَ ملكٍ بشاعر إنّما علاقة منْ نوعِ الصّداقة. وبانتْ مشاعرُ الحبِّ الدفين في رثاءِ خولة عندما بلغهُ نبأ وفاتِها:
ﻳﺎ ﺃُﺧﺖَ ﺧَﻴﺮِ ﺃَﺥٍ ﻳﺎ ﺑِﻨﺖَ ﺧَﻴﺮِ ﺃَﺏٍ
ﻛِﻨﺎﻳَﺔً ﺑِﻬِﻤﺎ ﻋَﻦ ﺃَﺷﺮَﻑِ ﺍﻟﻨَﺴَﺐِ
ﺟِﻞُّ ﻗَﺪﺭَﻙِ ﺃَﻥ ﺗُﺴﻤﻰ ﻣُﺆَﺑَّﻨَﺔً
ﻭَﻣَﻦ ﻳَﺼِﻔﻚِ ﻓَﻘَﺪ ﺳَﻤّﺎﻙِ ﻟِﻠﻌَﺮَﺏِ
ﻻ ﻳَﻤﻠِﻚُ ﺍﻟﻄَﺮِﺏُ ﺍﻟﻤَﺤﺰﻭﻥُ ﻣَﻨﻄِﻘَﻪُ
ﻭَﺩَﻣﻌَﻪُ ﻭَﻫُﻤﺎ ﻓﻲ ﻗَﺒﻀَﺔِ ﺍﻟﻄَﺮَﺏِ
ﻏَﺪَﺭﺕَ ﻳﺎ ﻣَﻮﺕُ ﻛَﻢ ﺃَﻓﻨَﻴﺖَ ﻣِﻦ ﻋَﺪَﺩ
ِ ﺑِﻤَﻦ ﺃَﺻَﺒﺖَ ﻭَﻛَﻢ ﺃَﺳﻜَﺖَّ ﻣِﻦ ﻟَﺠَﺐِ
وتظهرُ عاطفةُ الشّاعرِ الصّادقةِ العفويّةِ والّتي تنسكبُ فيها الكلماتُ جرّاءَ حزنٍ عميقٍ وصدمةٍ عارمة اجتاحَتْ قلبَهُ لموت خولة:
ﻃَﻮﻯ ﺍﻟﺠَﺰﻳﺮَﺓَ ﺣَﺘّﻰ ﺟﺎﺀَﻧﻲ ﺧَﺒَﺮٌ
ﻓَﺰِﻋﺖُ ﻓﻴﻪِ ﺑِﺂﻣﺎﻟﻲ ﺇِﻟﻰ ﺍﻟﻜَﺬِﺏِ
ﺣَﺘّﻰ ﺇِﺫﺍ ﻟَﻢ ﻳَﺪَﻉ ﻟﻲ ﺻِﺪﻗُﻪُ ﺃَﻣَﻼً
ﺷَﺮِﻗﺖُ ﺑِﺎﻟﺪَﻣﻊِ ﺣَﺘّﻰ ﻛﺎﺩَ ﻳَﺸﺮَﻕُ ﺑﻲ
فهل حقاً أنَّ المتنبي لم يطأْ الحبُّ قلْبه كما وصفَهُ ناقدوه؟
كانَ المتنبي ساعياً نحوَ المجدِ والسلطةُ ونيلِ مراتبَ عاليةً ما جعلَ من عدمِ ارتباطه بامرأةٍ خلالَ مسيرةِ حياتِهِ مجالاً مفتوحاً أمامَ الكارهيْن لهُ والمنتقدينَ أشعارَهُ فقدِ اعتبروا أنَّ المناصب كانت أهمّ ما كان يفكرُ به.
فهلْ أحبّ المتنبي نفسَهُ الّتي مدَحها فقطْ؟
أعتقد بأنَّ الحديث عن عدم حبّه لامرأةٍ في حياتِه بعيدٌ عنِ المنطقِ، فالحب والمرأة الذين قامَ بذِكرِهِما في أشعارِهِ يقعانِ في مكانِهِما، هذا عدا على القولِ بأنَّ حبيبةَ المتنبي من نسج خيالِهِ فصحيحٌ أنَّ الشخص يستطيع أن يضع مواصفاتٍ معيّنة يحب تواجدها في الشّخص الّذي سيكونُ شريكاً لهُ ولكنْ من وجهةِ نظري أنَّه لا أحد سيتغزّل بشخصٍ غيرَ موجودٍ واقعيّاً وإذا اختلفَ أحدٌ في هذا الرأي وقالَ: أنّه يصف عيوناً جميلةً من صنعِ خيالِه سيقولُ إنّنا نستطيع التّغزل بعيون بدونِ صاحبٍ حقيقيٍ لها، بينما مشاعر الحبِّ لا يشعرُ بها إلّا المحب ولنْ يقدر أيَّ إنسان على أن يصف شعوراً لمْ يعشه. فيقول أبو الطيّب:
ﻭﻋَﺬَﻟْﺖُ ﺃﻫْﻞَ ﺍﻟﻌِﺸْﻖِ ﺣﺘﻰ ﺫُﻗْﺘُﻪُ
ﻓﻌﺠﺒﺖُ ﻛﻴﻒَ ﻳَﻤﻮﺕُ ﻣَﻦ ﻻ ﻳَﻌﺸَﻖُ
ﻭَﻋَﺬَﺭْﺗُﻬُﻢْ ﻭﻋَﺮَﻓْﺖُ ﺫَﻧْﺒﻲ ﺃﻧّﻨﻲ
ﻋَﻴّﺮْﺗُﻬُﻢْ ﻓَﻠَﻘﻴﺖُ ﻣﻨﻬُﻢْ ﻣﺎ ﻟَﻘُﻮﺍ
فالمتنبي كانَ مترفعاً عن المجونِ وليس كنظرائِهِ من بعضِ الشُّعراءِ الذينَ كانوا يفخرونَ بتعددِ الحبيباتِ وشربِ المدامةِ فقد كانَ دائماً يحبُّ أنْ يظهرَ حسنَ الصّورةِ ولعلَ كتمانَهُ لاسمِ محبوبتِه بناءً على طلبِها أو نتيجةَ مشاعرٍ صادقةٍ أو أنّها حقاً كانَتْ خولة ومنَ المؤكد أنَّه لنْ يذكرَ اسمها في حالٍ كحالِه، وربّما كانَ كتمانَهُ ناتجاً عن معرفةِ العائلةِ الحمدانيّة ورفْضِها ومحاربتِها لهذا الحب فلمْ يذكرها كي لا يظنَ النّاس ما كان شائعاً في تلكَ العصورِ من ظنونٍ سيئةٍ وكلامٍ ولمزٍ سيقال عن الشاعرِ وعلاقَتِه بالفتاةِ الّتي أحبَّها فكتبَ بِها شعراً.
وأخيراً لا نستطيع مهما حاولنا أنْ نصِلَ إلى جذورِ الحقيقةِ في شعرِ المتنبي هذا الشاعرُ الحكيم، فهلْ كانَ بإخفاءِ بعضِ الحقائقِ وعدمِ الحديثِ عنْها بالشّكلِ الواضحِ إنّما بطريقةٍ مرمّزةٍ نوعاً ما خطةً من المتنبي لجعلِ من سيأتي بعدَهُ مكبّاً على البحثِ في أشعارِهِ.
ولا يخفى على قارئِ المتنبي المشاعرَ الصادقةَ في العديدِ من قصائدِهِ فبراعتُهُ في الّلغةِ والعفوية والصدق الذي يتبيّن لنا أحياناً هيَ خيرُ دليلٍ على أنَّ المتنبي أحبَّ وهامَ وعشقَ، والأكثر شيوعاً منَ القصصِ أن المحبوبةَ هي “خولة” ومهما وجّه الكارهونَ لَهُ سِهامَهمْ فسوفَ تتصدی لهمُ العظمة في شعرِهِ وبلاغتِهِ وفصاحتِهِ وأنَّه تركَ تراثاً ثميناً نفخرُ بِهِ. هذا الشّاعرُ الذي كان قويّاً صارماً لا يخافُ فهجا أعظمَ الملوكِ أشدَّ هجاءٍ حتّى قيلَ عنْهُ “الشُاعر الّذي قتلَهُ شعرُهُ” فماتَ مقتولاً سنةَ 354هـ/965م وعاشَ خالداً في قلوبِنا وعقولِنا.

About alzawraapaper

مدير الموقع