الطاعون ضرب بغداد اربع مرات

طارق حرب

طارق حرب

حكم بغداد المماليك العثمانيون من بداية حكم الجورجي والمملوك العثماني الوالي سليمان باشا (أبو ليله) سنة 1748م وانتهى بنهاية حكم الجورجي والمملوك العثماني داود باشا سنة1831م، ولقد ضرب مرض الطاعون بغداد أربع مرات زمن حكم المماليك لبغداد في سنة 1772م زمن الوالي المملوك عمر باشا، وسنة 1801م زمن الوالي العثماني المملوك سليمان باشا الكبير، وسنة 1802 زمن الوالي علي باشا، وزمن الوالي العثماني المملوك داود باشا سنة 1830م.
أما الطاعون الذي أصاب بغداد في بداية حكم الولاة المماليك، واسمه (أبو خنجر) فابتدأ سنة 1771 وامتد الى السنة اللاحقة، أي سنة 1772، إذ استولى الطاعون على بغداد، فلم ينج منه أحد من اهل بغداد رجلاً ولا امرأة، فتك فيهم فتكاً عظيماً، فهدم معالم وقضى على بيوت فأصبحت بغداد يباباً ونالها الخراب واستمر الطاعون الى نهاية سنة 1773، وقد دهش أهل بغداد من ألم هذه الواقعة، وذهلوا، ففروا بلا اختيار ولا رؤية الى جهات اخرى، وتولى والي بغداد نصب الخيام مقابل قصبة الامام الاعظم (الاعظمية) وبالقرب من المدينة.
وهذا المرض جاء من استنبول، وأنتشر في أنحاء العراق، هلك فيه خلق لا يحصي عددهم إلا الله، وقد أوصل بعض المؤرخين عدد الموتى في اليوم الاول 70 ألفاً ببغداد وفي اليوم الثاني والثالث لم يكن بالامكان احصاء عدد المصابين، وذهب أفاضل علماء بغداد ضحية هذا المرض إلا من نفر معدود هربوا إتقاءً منه، وكان في أجلهم تأخير، كما يقول صاحب كتاب (تحفة عالم)، وممن توفي المؤرخ السيد محمد سيد زينا الذي يعد من ادباء ذلك العصر الذي أطلق على المرض وما سببه بالطاعون العظيم، وبعد انتهاء الطاعون رجع اهل بغداد كل الى مكانه، واذا كانت المدينة قد انتظمت في أمورها، لكنها بقت في حالة تشوش لأن الذين كان يعول عليهم في الادارة وتطبيق النظام ماتوا ولم يبق من يقوم بشؤون ادارة بغداد من أهل الكفاءة، حتى تم تولية الادارة الى الذي لم يكن اهلاً للقيام بذلك، فانحلت بذلك الامور في الادارة، فاضطر الوالي الى ترغيب الكورد والعرب في مناصب الادارة، ولقلة خبرتهم تشوشت الامور وانحلت.. وفي سنة 1801 زمن الوالي العثماني المملوك سليمان باشا ظهر وباء الطاعون في بغداد، اذ في شهر ذي القعدة ظهرت آثار الطاعون ببغداد، فعزم والي بغداد أن يقضي الربيع في مدينة الخالص شمال بغداد، فذهب بأهله وأتباعه وحشمه ونصب خيامه في أحد الوديان، لا سيما انه -اي الوالي- كان من أمد بعيد معتلاً بوجع المفاصل، وفي هذه الايام اشتد مرضه واختلت راحته، والطاعون تحقق أثره ببغداد، اذ كان يتوفى كل يوم في بغداد بحدود سبعين من المصابين بالمرض، لا بل ان الوالي قد توفي في تلك الايام، ويمكن ان يكون الطاعون، بالاضافة الى ألم المفاصل، سبباً في وفاته سنة 1802، ذلك ان الطاعون استمر الى السنة التالية زمن الوالي العثماني المملوك عمر باشا في سنة 1802.
وفي سنة 1831، وفي اواخر فترة حكم الجورجي المملوك الوالي داود باشا، فتك الطاعون ببغداد، وقد استفاد من هذا الوباء الذي اصاب بغداد ووالي حلب داود باشا الذي طلبت منه الدولة العثمانية انهاء حكم والي بغداد داود باشا، فقد قتل الطاعون أكثر عساكر والي بغداد داود باشا وقتل رجال دائرته وحواشيه وسائر اعوانه ومماليكه ما عدا الاربعين والخمسين نفراً كانوا في الخارج، وتوفي اكبر قادة داود باشا مطعوناً في خانقين، حتى ان الطاعون أصاب الوالي داود باشا، وتعطل عن ادارة الامور في بغداد، اذ انه لم تكن له القدرة على القيام والقعود، ومع هذا كان في كل اربعة أيام يأتي الى دائرة العرض محتضناً بالايدي فيجلس في محله ثم يرفع الستار فيدخل عليه البعض، ولكنه نجا من مخالب الطاعون، وكان هذا الداء من المصائب العظيمة على بغداد، ومحا البيوت الكثيرة، وقضى على الآثار، بل كان هذا المرض البلاء على مماليك بغداد وسببا في انقراض حكمهم، ولولا هذا المرض لما تمكن والي حلب على رضا باشا من السيطرة على بغداد والقضاء على حكم الوالي داود باشا، وقد وصفه صاحب كتاب (حديقة الورود) بأن المرض ابتدأ في بغداد في العشرة الاواخر من رمضان، وأوضح عن المصاب، وما كان يهلك كل يوم، حتى ضاع الحساب، وزاد شدة في شهر شوال، فهرب الناس ومات الغالب، ومن ثم صار ينقل الموتى ويطرحون في نهر دجلة، وانقطع بعد أن أضر بما لا مزيد عليه، وهرب أيام الوباء كثيرون من بغداد.. وختاماً فإن أحد المؤرخين يذكر ان بغداد فقدت 95% من سكانها بسبب الطاعون.

About alzawraapaper

مدير الموقع