“الصحف في اليابان” .. أسرار مثيرة منحتها مناعة ضد الإفلاس

طوكيو/ متابعة الزوراء:
تبدو صناعة الصحف اليابانية اليوم منيعة ضد الضغوط التي أجبرت العديد من الصحف الامريكية إلى إعلان إفلاسها والخوض في مسار الاستحواذ في السنوات الأخيرة.
كيف تقف الصحافة اليابانية على أقدام ثابتة في عصر الإعلام الرقمي اليوم؟ وإلى متى يمكن لهذا الحظ الجيد أن يدوم؟ تكشف الأستاذة في جامعة طوكيو هاياشي كاوري في هذا التقرير عن الأسس الاقتصادية والثقافية الفريدة لصناعة الصحف في اليابان ونتائجها على المستقبل.
في اليابان، نادرا ما نسمع عن حالات الإفلاس أو الاستحواذ في عالم الصحف، فهل الصحف اليابانية يا تُرى منيعة ضد الضغوط التي تهز وسائل الإعلام المطبوعة في الخارج؟.
هنالك مؤشر واضح يدل على مدى تعافي هذه الصناعة والذي يكمن في الإيرادات، ففي اليابان، انخفض إجمالي إيرادات الصحف خلال السنوات الخمسة عشر الماضية، وإن لم يكن ذلك بشكل حاد كما هي الحال في الولايات المتحدة الامريكية وأوروبا. ومع حلول عام ٢٠١١، انخفضت عائدات الصحف بنسبة زادت بنحوِ ٢٠ ٪ عن ذروتها التي بلغت ٢٫٥٣ تريليون ين في عام ١٩٩٧.
لكن تبقى أرقام توزيع الصحف مرتفعة بشكل ملحوظ في اليابان. فمن بين الصحف الوطنية الكبرى، نجد صحيفة يوميوري شيمبون أكبر الصحف اليابانية انتشاراً، حيث يصل حجم تداولها إلى ما يقارب ١٠ مليون نسخة يومياً بينما تحتل صحفية أساهي شيمبون المرتبة الثانية في سلم حجم التداول برقم خجول نسبياً يصل الى ٨ مليون نسخة. أمّا الصحف الإقليمية في اليابان فعادةً ما تصل إلى ٥٠ ٪ من البيوت في أسواقها المحلية، كما يتفاخر عدد لا بأس به من الصحف بأن لديهم معدلات تداول تصل إلى ٦٠ ٪ أو أكثر. وعلاوة على ذلك، تعمل معظم الصحف الإقليمية اليابانية بشكل مستقل، وذلك على عكس نظيراتها في الولايات المتحدة، والتي تسيطر على أغلبيتها صحف وطنية مثل ماكلاتشي.
وباختصار، فانه على الرغم من تراجع إيرادات الإعلانات نتيجة للحالة الاقتصادية، فقد ظلت الصحف اليابانية قوية نسبياً وذلك لسبب بسيط وهو أن القراء لم يلغوا اشتراكاتهم.
وربما يتساءل المرء ما تفسير هذا الولاء؟ ولعل السبب الرئيسي يكمن في أن الصحف بالنسبة لمعظم الراشدين الذين وصلوا الى مرحلة معينة من العمر، ليست مجرد وسيلة للحصول على المعلومات ولكنها جزءٌ لا يتجزأ من أسلوب حياتهم.
وإلى حد ما، يعكس هذا السلوك الولع الياباني بالقراءة المطبوعة من جميع الأنواع. ولكن من الناحية العملية، تعتبر شبكة التوصيل المنزلي لهذه الصحف السبب الحقيقي في انتشارها الواسع، حيث تخترق هذه الشبكة جميع أنحاء الأرخبيل الياباني.
حيث يشكل ما يقارب ٢٠ ألف موزع محلي محاور هذه الشبكة. سيما وانه لدى معظم الموزعين عقوداً حصرية مع أحد الناشرين ويتم العمل من خلال تعاون وثيق مع قسم المبيعات لبيع وتسليم صحفهم بأكبر قدر من الكفاءة. وتَميّزوا ايضاً بانهم عملوا طويلاً وبجد في انشاء شبكات توزيع فعّالة في مناطقهم وتأمين أكبر عدد ممكن من المشتركين.
دور العوامل الاجتماعية
في اليابان، تعد العلاقات الشخصية والمجتمعية العوامل الرئيسية التي تحدد ولاء المشترك بصحيفة ما. فالصحف اليابانية لديها القليل من التلوين الأيديولوجي الذي يميز بعض الصحف الأوروبية والتي بدأت على شكل منشورات حزبية. ويعود ولاء القارئ الياباني لصحيفة ما ببساطة إلى عائلة هذا القارئ التي اشتركت بشكل دائم بهذه الصحيفة في الماضي، أو نظراً لأنه أي القارئ على معرفة بالموزع المحلي في الجوار.
ففي اليابان، كانت الصحف دائما أكثر من مجرد وسيلة للحصول على الأخبار. فقد احتل ال “paperboy” أو ما يُعرف بـ “صبي توزيع الصحف” على سبيل المثال، مكانا بارزا في المجتمع الحضري الياباني في سنوات النمو السريع بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية . وقد عمل العديد من الشباب الذين احتشدوا في المدن لمتابعة التعليم العالي في منافذ التوزيع التي دعمتهم ماديا من خلال توزيع الجرائد اليومية.
ولعل توزيع الصحف لم يعد خيارا شعبيا بين طلاب الجامعات والباحثين عن أعمال جزئية لكسب العيش وجمع الأقساط المدرسية. وفي الواقع، انخفض عدد الأشخاص الذين يعملون في مراكز التوزيع بنحو ٧٥ ٪ في السنوات العشرين الماضية. ومع ذلك، وجد موزعو الصحف وسائل اخرى لتدعيم أعمالهم في مناطقهم المحلية. ففي مجتمعات المناطق الريفية التي تمت الهجرة منها والتي تعج بالمسنين، تكيف العديد من الموزعين لعملائهم من المسنين، فأدخلوا خدمات مثل تأجير الكراسي المتحركة أو الزيارات المنزلية للاطمئنان على المسنين الذين يقطنون منازلهم بمفردهم منذ سنوات ما بعد الحرب مباشرة، وقد استطاعت الصحف بهذا الأسلوب تأمين قدر كبير من المشتركين الأوفياء من خلال المساهمة في المجتمع المحلي بتقديم الخدمات لهم مُغطّيةً بذلك ثغرات الحكومة المحلية والمركزية ولعل تلك هي بعضٌ من الاسباب الكامنة وراء تغلغل الصحف اليابانية بقوة في الحياة والثقافة اليابانية.
“أبناء المجتمع الرقمي” لن يعودوا الى الوراء
وعلى الرغم من وجود اعداد كافية من القراء المخلصين والاستقرار المالي الذي تتمتع به الصحف اليابانية اليوم، فانه لمن الصعب أن نكون متفائلين حول آفاق مستقبل هذه الصحف. ويتطلب الواقع الادراك بانّ قدرة الصناعة الحالية للتقدم بشكل يوازي نجاحها السابق يجعل الأمر أكثر صعوبة في تصور النتيجة السعيدة في المستقبل.
هل هم ضحايا نجاحهم الخاص
وقد اعتمد ناشرو الصحف اليابانية مجموعة متنوعة من الاستراتيجيات لجذب القراء الشباب، لكنها جميعا لم تنجح في معالجة المشكلة الأساسية بشكل مباشر. ويبدو ان المدراء التنفيذيون اليوم، الذين بنوا إمبراطورياتهم بمساعدة الآلاف من الموزعين المحللين، عاجزين عن القيام بأي شيء سوى التعبير عن قلقهم حيث أن التحول إلى الإعلام الرقمي يهدد وجودهم.
وفي سياق بحثي هذا، أجريت مقابلات مع العديد من المدراء التنفيذيين في الصحف اليابانية بشأن استراتيجية أعمالهم لمواجهة هذا التوجه الرقمي. وقد عبر تقريبا كل واحدٍ منهم عن نفس القلق، وهو أنه أي تحول كبير نحو المحتوى الرقمي المدفوع من شأنه أن يؤدي إلى رد فعل عنيف من الموزعين المحليين التي تدعم شبكات التوصيل إلى المنازل. حيث أعربوا جميعهم بأنه “لا يمكن تجاهل الموزعين”.وربما يكون هذا هو السبب في أن يوميوري، أكبر الصحف اليومية في اليابان، جعلت طبعتها الرقمية المدفوعة، اليوميوري بريميوم، متاحة فقط للمشتركين بالصحيفة المطبوعة. وبالمثل، فإن أساهي شيمبون ونيبون كيزاي
وهكذا فانّ صناعة الصحف في اليابان هي مثال ساطع على صناعة يحركها الطلب المحلي الناجح التي تستغل بمهارة في قاعدة المستهلكين في الوقت الذي كان ينمو بسرعة. لكن الصحف اليابانية ظلت متشبثة إلى نفس نموذج الأعمال القديم في عالم سريع التغير، حيث حفز كل من اشهار الإفلاس وعمليات الاستحواذ إعادة هيكلة وتجديد صناعة الصحف في الخارج.

About alzawraapaper

مدير الموقع