الشرعية بين استبداد الحاكم وحقوق الشعب

أحمد الجنديل

أحمد الجنديل

كلما اهتز الحكم في بلد ما، هرع الأخوة من أولي الأمر إلى إشهار البطاقة الحمراء بوجه الجميع، وارتفع الصراخ بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان، واحترام الحكومات الشرعية، والدفاع عن الحكومات المنتخبة، والخضوع لسيادة الدستور، وتقديس رغبة الشعوب في تقرير مصيرها.
وكلما أصيب الوضع السياسي لبلد ما بوعكة صحية، هبّ النشامى من قادة الدول الصديقة والشقيقة باتهام أعدائهم بأن ما حصل هو استهداف سياسي يراد منه إيقاف عجلة العملية السياسية القائمة على أسس الديمقراطية من أجل تحقيق الأماني للشعوب المظلومة.
الجميع يضع خلافاته جانبا عندما يحدث انقلاب، أو يتعرض نظام للخطر من أجل الشعب، وتبدأ الاجتماعات السرية والعلنية تتواصل وهي تضع الشعب في المقدمة، ومع كل حدث تزدهر أسواق شعارات الديمقراطية والحرية والشرعية والعدالة، ويرتفع صوت الحكومة المنتخبة يهدد وينذر الجميع من الاقتراب إلى العرش المقدس، ويخرج القادة وقد زينت صدروهم أوسمة الشهامة والبطولة والفروسية التي وهبها الشعب لهم .
كل الحكومات تتحدث عن الشعوب، وكل الشعوب تعاني من الذل والاهانة، والتهجير والتهميش، وتتحول إلى جيوش من العاطلين، يدفعهم الإحباط إلى رمي أنفسهم إلى بطون البحار، لعلهم يجدون بارقة أمل لحياتهم البائسة.
أمناء العروش يخونون الأمانة، والشعوب تجتر الهزيمة، وما بين الشعار المغشوش والشعب المهروش تظهر لنا حقيقة مفادها أن الضمير الإنساني في خطر، وهو يعاني في الكثير من الأحيان من حالات الغيبوبة على سرير الإنسانية المتهالك، وأن الشعوب هي الضحية الأولى لأطماع من يهتف باسمها ويتاجر بمصالحها، وأن الجميع يخاف من اليوم الذي يستيقظ هذا الضمير ليعيد للإنسانية بريقها وتألقها.
الجميع يتحدث عن الشرعية في واقع لا شرعية فيه، وكل الشعوب تستقبل كل صباح شعارات لا ناقة لها فيها ولا جمل، وعندما يضيق أفق الصبر ويكسر حاجز الخوف، ويخرج الفقراء ليقولوا كلمتهم فيما يحدث تبدأ فرق مكافحة الشغب بعرض شطارتها من خلال خراطيم المياه والرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع مع لغة التهديد المتصاعدة والانذار الساخن خوفا من ضياع البلد في غياهب المجهول.
وبدلا من الرضوخ الى مطالب الناس ونزولا عند الشرعية الحقة التي تنسجم مع متطلبات المرحلة، تبدأ الامور تسير خلاف المعقول، ويكون الرئيس الفاقد لذاكرته والجالس على كرسي متحرك وقد بلغ من العمر عتيا أكثر عنجهية من ذي قبل، ويكون وعاظ السلاطين قد جردوا السنتهم من أغمادها، وتكون الدنيا قد ارتدت السواد من أجل اشباع رغبة الحاكم في الاستمرار على الجلوس على عرش السلطة حتى لو كلفه الأمر أنهارا من الدم، وركاما من أشلاء الفقراء والمساكين.
الى اللقاء.

About alzawraapaper

مدير الموقع