الشاعرة ريما محفوض، موضوعها الأساس حب الوطن..!

وجدان عبدالعزيز
حينما تحاول الدخول الى عوالم شعرية ريما محفوض، يتبادر الى ذهنك قصيدة النثر، فالشاعرة محفوض اخذت تعبر عن افكارها بحرية كاملة استقتها من خلال هذه القصيدة، كون هذا النوع من الشعر، قد تجاوز الحدود الشعرية القديمة في الوزن والقافية، واخذ يعبر عن الهواجس، تلك التي غيّبها الشعر الكلاسيكي بسبب المحددات كما اسلفنا، والتي فرضها الوزن في الشعر الكلاسيكي.. تقول سوزان برنار: (حالة من الوجل النفسي، ناتجة عن جماليات النص، وشفافية المشاعر، وروعة الأسلوب، والنغمية المتولدة في الألفاظ والتراكيب وتلك العلاقات الجديدة التي أبدعها الشاعر بين الألفاظ والتراكيب)، هذه السمات التي حملتها قصيدة النثر اغرت شاعرتنا محفوض لان تتمرد على الوزن الخليلي وتعوض عنه (بجمالية الكلمات والايقاع الداخلي مما ساهم في مساعدة المتلقي على إغفال الوزن والتفلت من ضغوطاته وبالتالي انسيابية القصيدة بتواتر سهل وموسيقى متناغمة مع صور شعرية تلامس الحاجة الوجدانية وتمنح المتلقي أجنحة تساعده على التحليق في فضاء واسع خالي من الحواجز)، وبهذا استطاعت الشاعرة ان تمزج بين ماهو نفسي جسدي مع ما هو روحي، حيث تحلق باجواء الحرية والجمال، كما في قولها:
(الصّمتُ يَشربُني
كآخرِ همسةٍ
همّت روحي بنطقِها
فما استجابت لها شفتاي..)
لهذا هنا عاشت صراع الجسد والروح، لكنها في القصائد التالية عاشت جمالية الوئام الجمالي مع كليهما من خلال قولها التالي:
(يعتِّقني النّبيذُ
قصائداً
في زجاجةٍ مُحْكَمَةٍ
لا يفتحها إلّا جفنايَ
لتنسكبَ عبر نظراتي
سرّاً مفضوح السُّكْرِ..!)
اي تفاعلت مع حالة المادية المرئية في النبيذ، ثم انها تحولت الى اللامرئي، حيث نظراتها التأملية تنسكب في كسرّ مفضوح، كما هي حلاوة السكر في الذوق..حتى انها اطمأنت بقولها: (حيث أُعلِّقُ لوحاتي/بلا مساميرَ/أُعلِّقُها بألوانِ الأمنياتِ/وأدقُّ بأدعيتي/وشمَ حلمٍ لي/ .. وأغفو)، اي انها راحت تحلق في عوالم اللامرئي في الاحلام ومع الامنيات، ثم تقول:
(هنا ..
تسكنني الأرواحُ
وتسكنُ معها روحي
مثلَ بنفسجٍ
يملأ ودياني
وأشجارٌ تعلو مرتفعاتي)
وهذا اثبات لما ذهبنا اليه في انها تعيش حرية مطلقة، تحلق من خلالها على الواقع، اي انها تعيش اجواء روحية معانقة للواقع، لكنها تسكنها ارواح شفافة كما البنفسج واشجار باسقة تعانق السماء..والظاهر انها تعيش حالة حب من نوع خاص، فليس هناك حبيب متجسد بشخص معين، انما هناك حبيب قد تجسد بالكل، بالجميع وهو الوطن كما في قولها:
(لأنّي أحبّكَ
ظننتُ البيوتَ ستنهضُ
من تحتِ الأنقاضِ
وتعاودُ الاصطفافَ
كالأطفالِ
في تحيّةِ العلم)
حيث كشفت عن شخصية حبيبها بدالة تحية العلم، وهذا يدلنا ان الشاعرة محفوض تعيش عناق الذات مع الموضوع، اي انها تعيش ذاتها الخاصة، مع صراع الوطن الموضوع الاكبر من الذات، بمعنى هناك مزج بين الذاتي والموضوعي في رؤيتها الخاصة، وتؤكد هذه الرؤية من خلال قولها:
(لأنّي أحبّكَ
أظنُّ الحقولَ ستمتدُّ
بطواعيةٍ
تحت أكفّ الفلاحين
تمارسُ طقوسَ الفصولِ
وتنجبُ لنا ثمارَ الحياة..)
وهذا تأكيد للحب بطواعية تحت اكف الطبقة الكادحة، الطبقة الفلاحية وهي (تمارسُ طقوسَ الفصولِ/وتنجبُ لنا ثمارَ الحياة..)، وهنا نلاحظ الشاعرة، رغم انها حالمة ورومانسية، الا انها تعيش واقع مُعاش، لانها تقرر اكسير الحياة وهو الخبز المتمثل بثمار الحياة من خلال جنيها من طقوس الفصول، وعمقت الشاعرة تمسكها بالوطن من خلال تمسكها بمدينتها الجميلة «سلمية» حيث تقول:
(دمي يضجُّ بالعتابا
منذ تحوَّلَتْ
شرايينُ قلبي
لأوتارِ « ربابةٍ «
سلمونيّةِ الأنين
آملُ ألّا تحزنَ أكثر
روحي)
فهي تعيش الحزن، الا انها تزيح بعضا من حزنها من خلال الاستماع الى ربابة سلمونية الانين، وفي قصيدة (إلى روزا) تقول:
(يا شقيقةَ روحي
نحن الوجهُ الآخرُ للفرح
حين يشاءُ القَدَر
نحن شفاهُ الابتسامة
حين نكون معاً
قلبي وقلبُكِ
منديلانِ لدمعةٍ
واحدةٍ
تتقاسمُها
روحي وروحُكِ
في غفلةٍ عن اليأسِ
في ثورةٍ
تكسرُ قيدَ الزّمن)
ونبقى مع الشاعرة ريما محفوض وهي تحاول اظهار المعنى والمقصد من اشعارها ان الجاحظ (ت 255 هـ)، يرى الالفاظ بمثابة (المعارض) ((وهو الثوب الذي تجلى فيه الجارية)) والمعاني هي الجواري لذلك دعا الى الابتعاد عن التشدق والتعمق والاغراق في القول والتكلف، وان تكتسي المعاني الفاظا حسنة كريمة، وتلبس اوصافا رقيقة ومن خلال هذا تجلت لنا معاني الشاعر محفوض في حب الوطن والانسان، وكما قال الجاحظ بالفاظ رقيقة شفافة غير متكلفة…
ـ ديوان (ظلّانِ يُشبهانِ وجهي) للشاعرة ريما محفوض

About alzawraapaper

مدير الموقع