السعادة في الجريدة

طاهر علوان
كاتب عراقي
في عصرنا الراهن، يفتتح أكثر البشر يومهم مع الأخبار التي تحملها العديد من المنصّات، سواء الإخبارية أو الاجتماعية أو السياسية أو غيرها.
وفي وقت تضخمت فيه مثل تلك المنصات وصارت حقل استثمار هائل كمنصات التواصل الاجتماعي الشهيرة، ازداد الحرص على اجتذاب المزيد من المستخدمين ولكن كيف وبأي وسيلة؟
تدرس العديد من تلك المنصات نوع الخدمة التي تقدمها لجمهورها ومدى قناعته ورضاه بها لغرض التطوير.
لكن هنالك من ينحو منحى أبعد مع مصادرنا اليومية للأخبار ومنصات التواصل الاجتماعي وذلك بقياس مقدار السعادة. هل نحن سعداء مع هذه المنصة الإعلامية أو الاتصالية أم لا، ذلك هو السؤال.
باحثون كثر ولجوا هذا الميدان، ودراسات عديدة واستطلاعات للرأي، أذكر منها مثلا، بحث أجراه البروفيسور لي فاركوهر من إحدى الجامعات الأميركية وركز فيه على إشكالية المقارنة الاجتماعية، على أنها إحدى خاصيات المندمجين في منصات التواصل الاجتماعي.
إنهم سريعو التكيف مع أنماط سلوكية يفرضها استخدام صفحة فيسبوك أو تويتر مثلا، هنالك التعليقات وإيقونات الإعجاب وكثير من المستخدمين يعيشون عزلة بانفرادهم بصفحاتهم وفضولهم في التفتيش في صفحات الآخرين، ويضيف الباحث، نعم إن منصة فيسبوك تجلب إحساسا بالعزلة وتحرك شيئا من النرجسية، وأحيانا مشاعر الغيرة عندما يشاهد المستخدمون أشخاصا نالوا حظا من النجاح أو المال أكثر منهم.
لكن الباحث يقول إن قياس تلك الأفعال يثبت أن المستخدمين سعداء، وذلك هو الأهم.
مستخدمو منصات التواصل الاجتماعي هم أكثر سعادة من غيرهم، هذا ما يخلص إليه الباحث.
في المقابل هنالك منصات رقمية أخرى لا تحمل إلا الأخبار السياسية اليومية ومنها أخبار الساسة المرتشين والفاسدين وأخبار الانقلابات المناخية وتفشي الفقر والبطالة والفيروسات القاتلة ومع ذلك يقول المستخدمون إنهم يعيشون يومهم بشكل طبيعي وكأن تلك الكوارث صارت لزوم ما يلزم في زمننا الحاضر.
أما والصحيفة صار لها وجهان، رقمي وورقي فقد انقسم المستخدمون والمتابعون ما بين مترفع عما هو ورقي ومنغمس في الرقمي أو العكس.
لكن عالم الصحافة يقدم خواصه في تلك المنصات الجالبة للسعادة، هناك يستخدمون أسلوب التحرير ويلتقطون أخبار الصحف وينشرون الصور الصحفية وبذلك فهم سعداء.
أما قراء الجريدة التي هي الأم فهم في حيرة من أمرهم، هذا استطلاع آخر يثبت أن جمهور الصحافة يجد حريته في الاستخدام التقليدي للصحيفة الورقية، تلك هي طبيعتها وشكلها أما في ميدان المنافسة مع الرقمي فلا وجه للمقارنة.
من جهة أخرى، تحمل الجريدة الأميركية – عينة البحث – وجها متجهما وأخبارا عبوسة أو حزينة وفي وسطها صورة رئيس الولايات المتحدة المشغول بمقارعة خصومه والاستخفاف بهم وبناء جدار المكسيك.
الجريدة تنزع السعادة عن مستخدميها بسبب تلك الكثافة من الأخبار المحزنة والتراجيدية التي هي في حقيقتها امتداد لإيقاع هذا العالم وما فيه.
تلك النظرة المتشائمة تبدو مناقضة لنظرة أخرى ترى أن السعادة في الجريدة اليومية، فهي تريك ما لا ترى مما يدور من حولك وبإمكانك من خلالها أن تجد من تتعاطف وتتفاعل معهم من الساسة وكتّاب الرأي والأدباء وذلك لسبب بسيط أن كل هؤلاء معرّفون وبالإمكان الوصول إليهم بسهولة من خلال صفحاتهم في منصات التواصل الاجتماعي.
لم يكن ذلك متاحا بالأمس، وكأن أولئك الكتاب والمحررون كانوا يعيشون في أبراج عاجية ومن الصعب الوصول إليهم.
حقيقة هذا التحول هو تلك السعادة التي يشعر بها المتلقون وهم يتفاعلون مع كتابهم المفضلين في وقت يحتشد المزيد من المستخدمين (السعداء) في منصات أخرى قد يجدون فيها ضالتهم.
أما هؤلاء الذين مازالوا يتأبطون الجريدة الورقية والمخلصون لعالمها الفريد فإنهم مازالوا يفتتحون يومهم بشعور بالسعادة ساعة تتنقل عيونهم بين الصفحات والكتابات وأصابعهم تلامس الورق ولون الحبر.

About alzawraapaper

مدير الموقع