“الزوراء” تدخل عالم المسكوت عنه في العراق … مفوضية حقوق الإنسان تحذر من التفكك الأسري وتحمل الحكومة والبرلمان مسؤولية تعنيف الأطفال …هناء ادور: الطبقة السياسية لا تكترث لما يتعرض له الأطفال والنساء من عنف

 

الزوراء/ حيدر الدعمي/ حسين فالح:

بسبب انغلاق الكثير من العوائل اجتماعيا وعدم إيجاد المنجد المناسب ليخلصهم من الاعتداءات الجسدية المهينة والمؤذية، يضطر بعض الأطفال إلى البقاء رازحين تحت نير سلطة عائلية تطفح بالضغوط والتجبر، حيث يوفر لهم ذووهم فرصة تربية غير صالحة الاجواء في أغلب الأحيان، لكِن في المقابل ينتهكون إنسانيتهم ببالغ القسوة.
ويعد تعنيف الأطفال من أبشع الممارسات التي تستفحل في البلد، ويجري التستر عليها في الكثير من الأحيان بداعي الأعراف الاجتماعية التي لا تسمح بمحاسبة الآباء والأمهات او من يتولى تربية الاطفال في حال اعتدائهم على الصغار، لكن وصول الامر الى حد ارتكاب جرائم قتل فجر المسكوت عنه في العراق.

 

جريمتا قتل الطفلة رهف ومن بعدها الطفلة فردوس إثر التعذيب الذي تعرضتا له على أيدي زوجات الآباء، فضحتا ظاهرة العنف ضد الأطفال الآخذة بالنمو والزيادة.

قوانين حماية غائبة وحجج قانونية تحمي المعتدين
منذ اعلان السلطات الرسمية عن الحادثة اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بالمواقف المنددة بالحادثة، فيما تهافتت وسائل الإعلام المحلية والعالمية لتغطية الحادثة منذ وقوعها.
وتقول الناشطة ورئيسة جمعية الأمل العراقية لحقوق المرأة والطفل هناء ادور في حديث لـ”الزوراء”: توجد حاجة ماسة حاليا لإصدار قوانين ترعى الطفولة بعد انتشار حوادث العنف ضد الأطفال والتي تؤدي في البعض منها إلى الموت، مبينة ان الحرمان من الحقوق أيضا يعد ممارسة عنيفة ضد الأطفال، والحقوق تعني الرعاية الصحية والحق في التعليم فينشأ الطفل ضعيفا نفسيا وبدنيا.
وتوضح ادور : أن التقرير الأولي لعام 2018 يشير إلى تسرب أكثر من 10% من الأطفال من مدارسهم وانخفاض مستوى التعليم الابتدائي، إذ يزج الطفل في سوق العمل باكرا فيعمل تحت ظروف صعبة لأكثر من سبع ساعات في اليوم ويحرم من تعليمه وطفولته.
وبينت ادور : انهم كمنظمة مجتمع مدني يتابعون ومنذ العام 2012 إمكانية سن قانون العنف الأسري، لاسيما وأن مسودة هذا القانون كتبت منذ أكثر من سبع سنوات وتنتظر التطبيق ولكن الطبقة السياسية لا تكترث لما يتعرض له النساء والأطفال من حالات العنف، لافتة الى أن تشريع قانون العنف الأسري سيحتاج إلى تغيير قانون العقوبات العراقي التي ينص في مادته الـ41 على جواز تأديب الزوجة والأولاد وهو بمثابة شرعنة للعنف ضدهم بحجة التأديب.
وتطالب ادور : بإيجاد أجهزة قانونية تجند نفسها لحماية الأطفال من العنف والممارسات الضارة ضدهم، معربة عن أملها بأن تشهد الدورة النيابية الجديدة سن قانون العنف الأسري الذي تأخر كثيرا.

أصوات بريئة لا تسمع تأن تحت وطأة “عنف لايوصف”
أما الناشطة في حقوق الانسان جمانة ممتاز قالت في حديث لـ”الزوراء”: إن حادثة الطفلة رهف شكلت غصة في قلوب الناس في الوقت الذي يواجه الكثير من الاطفال عنفا لا يوصف، ولكن صوتهم لا يصل ولا تأتيهم الحماية، مشددة على اهمية ايقاف العنف ضد الاطفال باعتباره مسؤولية جميع الافراد.
وطالبت ممتاز بـ”فضح كل من يقوم بضرب او تعنيف الاطفال حتى لو كان احد افراد اسرة المشتكي”، مشيرة الى أن السكوت عن المعنف قد يتسبب بعاهة مستديمة للطفل او وفاته، وهو ما يؤكد على اهمية انقاذ الاطفال عبر القانون.

أطفال العراق معنفون “بشكل لا يمكن تصوره”
منظمة الأمم المتحدة للطفولة ترى ان الاطفال في العراق وعلى مدى سنوات من الصراع المستمر وانعدام الأمن تعرضوا لمستويات “لا يمكن تصورها من العنف”.
ويقول بيتر هوكينز ممثل المنظمة: ما يزال غالبية الاطفال في العراق يعانون من العنف داخل منازلهم ومدارسهم وأماكن أخرى من المفترض أن تكون آمنة.
ووفقاً لنتائج المسح العنقودي متعدد المؤشرات (MICS6) للعام 2018، فإن أكثر من 80٪ من مجموع الأطفال في العراق تعرضوا لتأديب وانضباط عنيف، ثلثهم تقريباً تعرضوا لعقاب جسدي شديد يشمل الصفع على الوجه أو الرأس أو الأذنين والضرب المبرح والمتكرر، مؤكدا ان العنف يعيق نماء الطفل ويحد من قدراته التعليمية، ويترك ندوبا عميقة ويحط من قدره ويزيد من الضغوط النفسية المدمرة، ويعلمه أن العنف والعدوان طريقتان مقبولتان لحل المشاكل والخلافات.

خط طارئ للاطفال للتبليغ عن حالات العنف الاسري
تزايد حالات التعنيف الاسري ضد الاطفال دفع وزارة العمل والشؤون الاجتماعية الى التحرك سريعا للحد من هذه الظاهرة عبر اجراءات قانونية وتشريعية، حيث قال النائب الاداري لرئيس هيئة رعاية ذوي الاعاقة والاحتياجات الخاصة في الوزارة علي جعفر الحلو: إن وزارته ووفدا رفيع المستوى من وزارة الداخلية اتفقا على تنظيم ورشة عمل لدراسة انشاء خط طارئ للاطفال في حال تعرضهم للعنف سواء أكان في البيت او المدرسة او اي مكان، بالتنسيق مع شركات الهواتف النقالة.
ويضيف الحلو: ان وزير العمل اوعز باكمال مسودة قانون حماية الطفولة في موعد اقصاه الاول من اذار المقبل، وان الوزارة بانتظار حسم مشروع قانون العنف الأسري الذي طرح في مجلس النواب منذ عام 2015 من دون تصويت حتى الآن.
كما أعربت لجنة رعاية الطفولة في وزارة العمل عن قلقها من تنامي ظاهرة العنف ضد الاطفال، محذرة من اثارها السلبية على الطفل والاسرة والمجتمع.
ودعت مجلس النواب الى تشريع قانون مناهضة العنف الاسري لوضع حد لهذه الظاهرة وهذه الممارسات التي تتنافى مع الشرائع السماوية والقوانين والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها جمهورية العراق.

طارق حرب: لم يحصل يوما اغلاق دعوى اعتداء او تعنيف في المحاكم العراقية
أما الخبير القانوني طارق حرب قال في حديث لـ”الزوراء”: إن خطوة وزارة العمل بتخصيص رقم طوارئ جيدة وقانونية تتيح للوزارة متابعة حالات الاعتداءات التي تجري ضد الاطفال في المدارس على يد ذويهم او حتى من الكوادر التدريسية، لكن تطبيقها قد لايتم بشكله الصحيح كما هو الحال في الدول الديمقراطية.
ويشير حرب الى ان القانون يضع شرطا لتأديب الزوجة او الابناء في حدود ماهو مشرع بالقانون والشرع والعرف، مبينا أن هذه الصيغة القانونية منذ وضعت لم يحصل يوما ان تم اغلاق دعوى اعتداء او تعنيف في المحاكم العراقية.
وبشأن حالة الطفلة رهف، قال حرب: ممكن ان توجه لذويها تهمة القتل غير المتعمد او الضرب الذي افضى الى الموت والذي قد يصل الى السجن المؤبد بحق والد رهف وزوجته مستبعدا اتهامهم بالقتل العمد.

قانون ضعيف وحقوق تهدر
ورغم الحملات لمنظمات حقوق الانسان لحماية الاطفال في العراق من التعنيف وانتهاك حقوقهم، لكن الارقام تخبر أن هذه الحملات ليست كافيةً، اذ يشير تقرير للمرصد العراقي لحقوق الانسان الى أن نسبا كبيرة من الاطفال في العراق يتعرضون الى شكل من أشكال العنف كطريقة للتأديب أو ضبط السلوك بالضرب أو الصفع، حيث أن طفلا من كل 3 أطفال يتعرضون لنوع من أنواع العنف في العراق.

إحصائيات كارثية مثيرة للقلق
وحمل عضو مفوضية حقوق الانسان زيدان خلف العطواني، الحكومة والبرلمان مسؤولية ازدياد ظاهرة تعنيف الاطفال في البلاد، داعيا الى تشريع قانون مكافحة العنف الاسري.
وقال العطواني في حديث لـ”الزوراء”: إن التفكك الاسري يعد احد اسباب زيادة ظاهرة العنف ضد الاطفال في العوائل العراقية، والتفكك الاسري اسبابه عديدة، منها الضعف الاقتصادي والوضع الامني وعدم وجود رقابة على الانترنت وما يبثه من سموم عبر بعض المواقع، ما ادى الى عنف مفرط ضد الاطفال داخل الاسرة.
واضاف العطواني: ان نسبة الفقر ازدادت الى 30%، اي ما يعادل نحو 8 ملايين فقير في البلاد، ما يدل على وجود 8 ملايين عراقي يواجه ظاهرة التفكك الاسري ومنها الطلاق، مبينا ان عدد حالات الطلاق في البلاد ازدادت الى اكثر من 74 الف حالة في عام 2018، بعد ما كانت تسجل نحو 52 الف حالة في عام 2015، هذه كلها اسباب لزيادة ظاهرة العنف الاسري.
واشار الى أن الحكومة والبرلمان يتحملان مسؤولية ازدياد هذه الظواهر بسبب عدم تشريع قانون العنف الاسري الذي تمت قراءته الاولى في عام 2015 والثانية في عام 2016، كما ان الحكومة ليس لديها رؤية واضحة لتخفيف الفقر ومعالجة المشكلات الاقتصادية، على الرغم من وجود استراتيجية تخفيف الفقر التي انطلقت العام الماضي كان يفترض تخفيف النسبة من 30% الى 25% الا ان نسبة الفقر ما زالت ثابتة وقد تزداد اكثر.
ولفت الى ان عدد المتسربين من المدارس بلغ في عام 2017 بنحو 122 الف طالب بينما في عام 2018 بلغ نحو 131 الف طالب، ما يعني ان 131 الف طفل سيذهبون الى الشوارع والتسول وغيرها، داعيا البرلمان الى تشريع قانون العنف الاسري لوضع حد لتعنيف الاطفال.

“سندريلا العراق” .. قصة فطرت قلوب العراقيين
قصة الفتاة رهف التي شبهها العراقيون بحكاية “سندريلا” الشهيرة مع زوجة ابيها القاسية والمجردة من المشاعر في أحداث مثيرة للحزن، بيد أن الأولى لم يكن لها امير ينقذها من بطش زوجة أبيها، عاشت اسوأ ايام عمرها في عذاب حتى لفظت أنفاسها الأخيرة في المستشفى متأثرة بإصاباتها البالغة.
وكانت مقررة البرلمان النائبة خديجة علي دعت في وقت سابق الى سن قوانين تحمي الاطفال من العنف الاسري، فيما عبرت عن استنكارها لما تعرضت له الطفلة رهف من عنف وتعذيب على ايدي ذويها ما ادى الى وفاتها.
وقالت علي، في بيان صحفي، في 10 شباط 2019، إن مجلس النواب يسعى الى التصويت على قانون العنف الاسري الذي لم ير النور خلال الدورة السابقة ليحال لهذه الدورة.
وأضافت “ تابعنا ببالغ الاسى ما تعرضت له الطفلة رهف من تعنيف اسري ادى الى وفاتها”، مبينة ان ظاهرة تعنيف الاطفال قد تفاقمت كظاهرة دخيلة على المجتمع لم يعهدها من قبل وان هنالك الكثير من حالات التعنيف التي لا يوجد تعميم لذلك فان هذا القانون ومثيله سيكون نوعا من المحاسبة القانونية.
وأشارت مقررة البرلمان إلى ان “وفاة الطفلة رهف يجب ان يكون درسا لنا لحماية امثالها من هكذا تعنيف وعليه فاننا في الوقت الذي ندعو فيه الحكومة الى معاقبة الجناة فاننا ندعو البرلمان كسلطة تشريعية الى سن القوانين التي تحمي اطفالنا وتسهم في ضمان حقوقهم وتوفير حياة كريمة لهم”.
جدير بالذكر ان وفاة الطفلة رهف ذات الاعوام السبعة في احد مستشفيات بغداد، بفعل اثار التعذيب والضرب والصعق الكهربائي التي لم يقو جسمها الصغير على احتماله، أثارت غضبا عاما وهزت الرأي العام العراقي، وذلك في انتظار حسم مشروع قانون العنف الأسري الذي طرح في مجلس النواب منذ 2015 دون تصويت حتى الآن.
ويؤكد مختصون أن تصاعد العنف الأسري ضد الأطفال يعد إرهاباً من نوع آخر، وله آثار سلبية وخطيرة على المجتمع، لافتين الى أن تصاعد نسبه يعود إلى الظروف المعيشية الصعبة التي تعيشها أغلب الأسر، وانتشار البطالة، والوضع الأمني المتردي المفروض على الناس، فضلاً عن اضطراب العلاقة بين الزوجين.
ويوضح المختصون: أن جميع الظروف التي عاشها العراق بعد الغزو الأمريكي على العراق عام 2003، من حروب وأزمات وتهجير وتفجيرات، ساهمت في تفكّك المجتمع العراقي، بل تجاوزت ذلك حتى ساهمت بتفكيك الأسرة الواحدة، ما يهدد بظهور جيل معنف لا يعرف سوى مفهوم العنف في حياته العامة والخاصة.

About alzawraapaper

مدير الموقع