الرواتب التي يتباكى عليها الجميع

من حق المواطن وحده أن يبكي ويلطم ويولول وينصب عزاء «ولو ماكو عزيات بسبب كورونا بس الراتب استثناء» من أجل الراتب.. فالراتب حق مطلق للموظف والمتقاعد والمتعاقد سواء أكان بدرجة رئيس جمهورية أو درجة فضائي يناله نهاية الشهر دون تأخير.. لكن الذي نراه حاليا أن القوى السياسية كلها دون إستثناء موالاة أو معارضة أو نصف موالاة ونصف معارضة أو لا موالاة ولا معارضة أو موالاة بالنهار معارضة بالليل، تبكي وتلطم وتولول وتنصب عزيات على الراتب أضعاف مضاعفه مما يفعله المواطن.
فالمواطن حين يبكي ويولول ويلطم وينصب (عزا) تأثيره لايتعدى الزقاق أو القهوة أو الكيا، ينفض «ضيم قلبه» بكم مسؤول بالدولة من الذين يحبهم ويعود الى بيته بـ «علاكة» خاوية في الغالب ممنيا النفس ببشرى يمكن أن تزفها له وزارة المالية بين لحظة وأخرى، ولو أثناء الفاصل «مال الفضائيات» بين كل جولة متابعة لأخبار ترمب أو بايدن.. والمواطن الذي تحرص الأحزاب والقوى السياسية أن تسميه «الكريم» يعرف نفسه لا يحل ولا يربط حتى لو طلع تظاهرة واحتل ليس جبل أحد في ساحة التحرير، بل سلسلة جبال مكحول وخانوكه، بل وحتى جزيرة كنعوص.
فالقوى والأحزاب، الوطنية منها والسحب، باتت تجيد كل أنواع «المدري شنو» لخدمة المواطن الكريم على صعيد البيانات والتغريدات والبوستات وتشكيل الجبهات والتحالفات والتهديد بكل أنواع الإستجوابات والإستضافات. بل وحتى أنواع غير مألوفة من العصبية في البرامج الحوارية التي «يتونس» عليها المواطن الكريم طبعا لأنها بالنسبة له فاصل إعلاني ممتع يشبه شاي محمود أو جبنة المراعي أو اشترك معنا في زين أو آسيا تجمعنا.
والحال إنه إذا كان من حق المواطن الكريم أن يبكي على راتبه المقطوع والمشلوع والممنوع والمبيوع، فبأي حق تتباكى القوى والأحزاب والكتل والزعامات على راتب المواطن لا راتبها.. فهذه القوى والأحزاب تحلف بأغلظ الإيمان إنها لا تتسلم راتبا ولا مخصصات من الدولة. أما «شلون عايشين» والله ما أدري على «كولة» أحد آبائنا المؤسسين لهذا النظام الذي جلب لنا الديمقراطية والديمقراطية فقط.. هذه الديمقراطية التي جعلت المواطن يمتلك حق البكاء على راتبه المفقود بينما تملك القوى التي جلبت الديمقراطية التباكي فقط. أي في الوقت الذي منحت المواطن حق البكاء إكتفت هي بحق التباكي لأن ليس لديها وقت للبكاء.
الفارق بين المواطن الكريم والقوى والأحزاب، التي أطنب المواطن في منحها ما لذ وطاب من الأوصاف، أن المواطن يوزع نقده بعدالة عليها جميعا بدون محاصصة، بينما هي عينها على رئيس الوزراء الذي تحمله وحده المسؤولية، بينما المنطق يقول إنه ربما هو آخر مَن يتحمل المسؤولية.. ربما هناك من يقول لماذا قبل المسؤولية ويعرف أن الوضع تعبان؟ لأنهم قالوا له تعال خلصنا ونحن ندعمك.. وحين جاء الرجل دعموه، ولكن بطريقة معكوسة، فوقف الجميع يبكي ويتباكى.

About alzawraapaper

مدير الموقع