الروائي والمؤرخ

فخري صالح
يبدو للوهلة الأولى أن الرواية والتاريخ ينتميان إلى حقلين متباعدين تماما، فالأول يعمل على مادة تخيلية فيما يعمل الثاني، افتراضا، على مواد تنتمي إلى عناصر واقعية تاريخية، وعلى الحوليّات والمواد المرويّة بصورة متواترة على ألسنة العديد من الرواة ومسجّلي وقائع التاريخ. تبتكر الرواية عالمها، وتصوغ شخصياتها والأحداث التي تشكل عوالم هذه الشخصيات، فيما يسعى المؤرخ إلى سرد أحداث التاريخ وتركيبها وصياغة نسق تفسيري لهذه الأحداث، بحيث يبدو التاريخ متناغما ومنطقيا ومقنعا لدارسيه والراغبين في التعرف إلى صعود الممالك وهبوطها، وأشكال سير الحياة وطرق عيش البشر في الأزمنة السالفة. ظاهراً يبدو كل من عالمي الروائي والمؤرخ متفارقين لا يلتقيان، لأن الروائي يصنع مادته، فيما يعمل الثاني على توليف مادته، على جمع شظايا عالمه من أفواه الرواة وصحائف الكتب. الأول مبتدع للعوالم والشخصيات والأحداث والفضاءات، أما الثاني فهو معنيّ باستعادة العوالم والشخصيات والأحداث والفضاءات التاريخية من غياهب النسيان.
من هذا المنظور يبدو الروائي صانعا أما المؤرخ فجامع. ومن هذا المنظور أيضا تكون غاية الرواية هي تحقيق المتعة والإدهاش في الوقت الذي يهدف التاريخ إلى الوصول إلى «الحقيقة التاريخية». الرواية تلفيق واصطناع، والتاريخ سعي إلى الوصول، بإخلاص البحث والعلم، ودقة الملاحظة والتبصر، إلى كبد «الحقيقة» الخافية في تتابع أحداث تاريخ البشر والعالم. لكن المفارقة الكامنة في هذا التصور، الذي يضع الرواية والتاريخ في حالة من التقابل والتضاد، تنبع من كون علاقة الرواية والتاريخ وثيقة إلى حد وجود نوع من التلازم بينهما في العصور الحديثة، فكل منهما ضروري للآخر، وعلامة على حضوره وحيويته. لقد ظهرت الرواية، كنوع أدبي، كدلالة على بزوغ عصر جديد وفئات اجتماعية صانعة للتاريخ، فكانت من ثمّ النوع الأدبي الذي يدل، حسب جورج لوكاتش، على صعود البرجوازية الأوروبية، والنظر إلى تلك الرواية بوصفها مختبرا لفحص تطلعات تلك الطبقة الصاعدة. إضافة إلى هذه الصلة الوثيقة بحقبة تاريخية محددة من تاريخ البشرية فإن التاريخ هو موضوع الرواية؛ تاريخ البشر والمجتمعات والفئات الاجتماعية الطالعة وكذلك الهامشية المقيمة على أطراف المجتمع. والأهم من ذلك هو أن تاريخ الفرد يعد موضوع الرواية بوصفها نوعاً أدبيا حديثا يشخص أتواق الأفراد وعالمهم الداخلي والفجوة العميقة القائمة بين سِير هؤلاء الأفراد ومحيطهم الاجتماعي، كما يقول الروائي التشيكي ميلان كونديرا. بهذا المعنى يصعب فض الاشتباك الحاصل بين الرواية والتاريخ، وإقامة جدار فاصل سميك بين الرواية وما يسمى في حقل المعرفة التاريخية بالتسجيل التاريخي لأن قطاعا من الكتابة الروائية، في ماضي النوع الأدبي وحاضره، يشتغل على المادة التاريخية نفسها التي يعيد المؤرخ تركيبها وتأويل معناها.
يقوم الروائي، مستخدما التخييل وإعادة بناء المرحلة التاريخية التي يتخذها موضوعا له، بعملية تركيب جديدة للوقائع والأحداث والظرف التاريخي والشخصيات المذكورة في حوليات تلك المرحلة، مضيفا إليها شخصيات متخيَّلة تساعده في تأثيث المكان واستعادة حرارة اللحظات الإنسانية والأزمنة الراحلة لشخصياته الحقيقية والمتخيلة.
لا يختلف عمل المؤرخ بهذا الخصوص كثيرا عن عمل الروائي، فالكتابة التاريخية، كما يؤكد عدد من المؤرخين المعاصرين، تنطوي على الكثير من إعادة بناء الوقائع وتركيب الأحداث، والتخييل كذلك، لكي تستطيع تأويل المادة التاريخية التي تعمل عليها. وهي بذلك تتقاطع مع الكتابة الروائية وتستعير بعض أدواتها وأساليبها في رسم الشخصيات وتحديد معالم الأمكنة وتأطير المراحل الزمنية التي تدور فيها أحداثها.
إن الروائي والمؤرخ يتبادلان الأدوار.

About alzawraapaper

مدير الموقع