الروائي الموريتاني «أحمد فال ولد الدين» وتجربته الروائية

حاوَره: محمد حماني
الزوراء / خاص
* يبدو أنكم دخلتم عالمَ الرواية بقوة. هل حصل ذلك صدفةً؟
شكرا لكم على الفرصة المُتاحة. نعم، لقد ولجتُ هذا العالم المدهش «بلا ميعاد» على لغة نزار. فقد اكتشفت حاجتي للحكايات عندما طلبتْ مني شبكة الجزيرة كتابة نص عن مغامرة خضتُها مع بعض الزملاء في أيام الثورة الليبية الأولى حيث اعتقلنا هناك. فكتبت «في ضيافة كتائب القذافي» الصادر عن الشبكة العربية عام 2011م. وأثناء كتابتي لذلك النص لاحظت شرودا في القلم إلى الحكايات، وولوعا بتأمل أعماق الشخصيات، وميلا لسرد التفاصيل. ثم قادني الأمر في النهاية إلى طرق هذا الباب.
* قيل: «إن الشعر ديوان العرب قديمًا». فهل نحن – اليوم – في عصر الرواية بامتياز؛ أم ما زال للشعر قراؤه، ومحبُّوهُ، وسلطتُه؟
نعم، كانوا يقولون لن تترك العربُ الشعرَ إلا إذا تركت الإبلُ الحنين. وأنا لا أتوقع أن ينزل الشعرُ العربي من عليائه، لكنه سيتعلم التنازل عن غروره وانفراده. عليه أن يتعلم التواضع، فقد غدتْ الخيمة العربية تضطرم بأصوات أخرى. كان الشعر ديوان قومٍ لا ديوان لهم سواه. ففيه كانوا يخلّدون مآثرهم ويرصدون خواطرهم ومشاعرهم، فكان حامل معرفتهم. لكن الرواية اليوم برزت هي الأخرى مستودعا للتعبير عن المشاعر وتخليد الأيام –الواقعية والمتخيلة- فغدتْ حاملا للمعرفة وللأيام هي الأخرى. ولذا يندهش المرء عندما يرقب أعداد الروايات المطبوعة كل عام. ففي العام الماضي خرج نحو ألفا رواية عربية. وأكاد أجزم أن الدواوين لم تتجاوز العشرات. قد يكون للأمر علاقة بالسوق، وبضعف التعليم وبالانبتات عن المخزون الثقافي الكلاسيكي الضروري لأي تجربة شعرية جادة. لكن الأرقام تظل لافتة، ويتجدد تساؤلكم في قالب آخر: هل الرواية ديوان العرب الجديد؟
تتميّز اللغة الروائية عند «أحمد فال» بالرصانة، والمتانة. كيف أثّرت البِيئة الشنقيطية في تكوينكم اللغوي؟ وبأي لغة ينبغي أن تُكتب الرواية الآن؟
أنا سعيد بهذا التكييف من طرفكم وأتمنى أن يكون دقيقا. لعلك تميل إلى فكرة منتشرة في العالم العربي تعدّ المدرسة الشنقيطية مدرسة مختلفة في النثر. تتميز بالرصانة والمتانة.. كما كانت المدرسة المصرية يوما. وعلى كل حال، فاللغة هي الوسيلة الوحيدة بين القارئ والكاتب. هي مصيدة الكاتب لقلب القارئ، وحاضن الفكرة-أو هي هي- ووسيط الاشتباك المعرفي. لذا لا بد لكل كاتب جاد أن لا يفكر فيما سيقول فقط، بل عليه التفكير أيضا في كيفية قوله، وفي أي ثوب سيخرج. هل يخرج في ثوب قشيب يزيد المعنى إشراقا، أم في قالب يغتال الفكرة المُشَيَّعةَ في ثوب رثّ مثير للكآبة وخادش للحاسة الأدبية. ثمة كتاب وقراء لا يميّزون بين لغة الأدب ولغة القانون. لا يلاحظون الفجوة المقدسة بين كلمات مندوب المبيعات وعبارات الشاعر. ومن هذا الباب فأنا أميل إلى أن الرواية ينبغي أن تكتب بلغة تستحق أن تكون لغة أدبية على الأقل. فلغة الروائي سفينتُه المحملة بالمشاعر والمواقف والحكايات والخيالات، ولابد أن تكون لغة معطاء مترعة بالقوة والجزالة والحياة حتى تستطيع رفع النص ليكون أدبا.
* تحضر مدينة «الدوحة» في رواية «الحدقي»، و «الشيباني» بشكل لافت. لماذا الدوحة بالذات؟ وإلى أي حد يشغلكم هاجسُ المكان أثناء كتابة الرواية؟
-هذا سؤال أرمى به رميا دوما. وحضور الدوحة لم أفكر فيه كثيرا، بل جاء عفوا. ولعلني أحتاج للتفكير في الأمر مثلكم. فلعل السر هو علاقتي الخاصة بالأمكنة. فأنا مرتبط كثيرا بالمكان سواء كان المكان الحالي، أو ذاك القابع في الذاكرة. فلعل الوفاء للمكان الذي يلفني لحظة التخيل والكتابة هو الذي أبرز الدوحة في الحالين. ولعل القاعدة ستنكسر في النص الذي أخطط الآن لكتابته.
* مُنِعت روايتكم «الحدقي» بإحدى الدول العربية. ما حيثيات هذا المنع؟ وهل استطاعت الرواية أن تقدم نقدا للتقاليد، والأعراف الاجتماعية من وراء شُخوصها؟
مشكلة النص الأدبي وفضيلته أنه مجال للتأويل ومترع بالإمكانات، ومحمل بمجال القول. والتوجس الذي لاقته الحدقي في بعض البلدان قد يكون راجعا لاسم كاتبها أو المؤسسة التي يعمل فيها، وقد يكون عائدا لطبيعة بعض شخصوها والإشكاليات الثقافية التي تعالج. والسبب الحقيقي للحظر يبقى معروفا لدى الحاظر، مجهولا لدى الكاتب. وفكرة حظر الكتب في عالم البي. دي. أف. فكرة صبيانية على كل.
*مقارنةً بين رواية «الحدقي»، و»الشيباني» هنالك تراجع كبير على مستوى عدد الصفحات. هل القارئ العربي ظل يستثقل الكتابات الطويلة في زمن السرعة؟ أم طبيعة الأحداث فرضت ذلك؟
ثمة حديث دارج بين القراء عن ضيق بالرواية إذا جاوزت 300 صفحة. لكن الحقيقة أن النص المحكم المليء بما يستحق القراءة يظل له جمهوره. أما في حالتي الحدقي والشيباني، فأظن طبيعة عصر الجاحظ وتشابك خيوط القصة حتّم أن تصل الرواية 440 صفحة. ومما لا يعلمه القراء أني حذفت منها فصولا قبل ذهابها للمطبعة.
من يقرأ رواية «الشيباني» يجد دقةً في الوصف، وبلاغةً في التصوير. كيف تحافظون على نسق الوصف من بداية العمل إلى نهايته؟
الوصف أحد إشكالات الروايات. فقد يرتقي بالنص وقد يقعد به. فالوصف الناجح هو ذلك الذي يقدم الأفكار ويمشي بالحكاية إلى الأمام، والوصف السلبي هو الوصف لمجرد الوصف. والقارئ الحاذق يميز بين النمطين بحسه وإن لم يعبر عن ذلك بلفظه. أما المحافظة على نمطٍ ما في الرواية فتحد كبير. فالكاتب قد يمر بفترات انقطاع، وقد يصرفه تيار حياته الخاصة عن تيار شخوصه فيطول بهم العهد ويطول عهده بالأماكن الموصوفة كذلك. وبذا يغدو الحفاظ على أي نمط تحديا كبيرا. ويظل الحس الخاص للكاتب وسيلة المحافظة على كل ذلك.
* يُلاحظ أن نصّكم الروائي: «الشيباني» تغيب فيه نهاية محددة. هل تعوّلون على القارئ في اتمام النص الروائي؟ أم أن النهاية ليست ذات أهمية بالنسبة لكم؟
هذا مما يختلف فيه القراء. فقد علق بعضهم بأن النهاية كانت فاقعة واضحة، وكان الأولى لو غمضت. وأنا أميل لأن يزاوج النص ونهاياته بين الوضوح والغموض، بين فتح أبواب كثيرة وإبقاء أخرى مواربة مليئة بالألغاز. والتحدي هو الوصول لذلك.
* في روايتكم الأخيرة «الشيباني» تصدّرون كل مقطع من المقاطع السردية للرواية ببيت من أشعار أبي العلاء المعري. فهل كل بيت يلخص أحداث المقطع؟ ولماذا المعري؟ وما حدود التلاقي بين الشعر، و الرواية في نظركم؟
لا يتوقف أحد عند هذا الأمر إلا انفرجت أساريري وسعدت أيما سعادة. فهذه الخطوة أخذت مني جهدا مضنيا ولم يلاحظها الكثيرون. كانت في ذهني عدة أفكار لاختيار أبيات المعري. فالنص متشائم، فيه الحب والفشل والانتحار والإعدام. والمعري عقل فذ مرهف الإحساس متشائم رهين محبسيه أبدا، أو كما قال:
لفقدي ناظري ولزومِ بيتي * وكون النفس في الجسد الخبيثِ!
ثم إن كل بيت ربما يوحي -من بعيد- لحادث قد يرد في تضاعيف الفصل.

About alzawraapaper

مدير الموقع