الرحيل دون وداع

أحمد الجنديل

أحمد الجنديل

أن ترحل دون إشارة فتلك هي الفجيعة , وأن تغادرنا دون وداع فتلك هي المصيبة ، في الصباح كنتَ كعادتك ترسل لي تحية مترعة بعطر حرفك ، ونبل مشاعرك ، ونقاء سريرتك، وفي المساء اختطفك الموت بطريقة ما عادت رؤوسنا قادرة على فهمها واستيعابها …
لم أقرأ روايتك الاخيرة بعد ، ما زالت امامي الآن تنتظر حديث صاحبها ، وما زال صوتك يعلو على صوتها وأنت تشكو من وعورة النحو فأية محنة هذه التي جعلتك ترحل دون أن اطبع على جبينك قبلة الوداع .
تموج الذكريات ومع موجها أتذكر كل شيء ، الجلسات النقدية حول الرواية ، الفرق بين الرواية الجديدة والحديثة ، دفاعك عن الرواية العراقية ، صوتك الهادر وانت تلقي الولاء للروائيين ، التواصل المستمر مع الادباء ، المثابرة في الكتابة، أخبار صدور رواياتك ، الافكار التي لم تنضج بعد وأنت تحاول وضعها على مائدة الحوار ، الانفعال الذي يتسم به صوتك وأنت تبوح بما يختلج به رأسك الغني بعناصر وأبطال الروايات .
كنت موضع حسد الكثير منا لنشاطك المستمر ونحن نرى كثرة مؤلفاتك ، وعندما تكون في موقع المنتصر تزداد ابتسامتك فنبادلك البسمة ونضحك معا لأنك كنت المنتصر علينا دوما .
تضطرب المفردات في مخيلتي الآن , وأتساءل بمرارة : كيف ذهبت وما زال فيضك العذب يغرينا بمواصلة الكتابة ، ويبعث فينا محفزات المواصلة ؟ وكيف لي أن اصدق هذا الرحيل الذي لا يصدق ؟
أيها الحاضر في ضمائرنا ، المتوهج بالعطاء ، المتسربل بالنقاء , المغسول بعطر الطيبة ، المعطر بابتسامة الاطفال وكركراتهم، أردت أن اقول لك بأن سهرتي معك في الليلة الماضية كانت جميلة رغم كل الدموع التي سفحتها عيناي، ورغم النحيب الذي امتد حتى الساعات الأخيرة من الفجر، ورغم جسدك العاري المطروح أمامي .
رواياتك تزين ذاكرتي ، وما زلت أعيش اجواء (جمهورية باب الخان ) و(حمام اليهودي) وما زالت سكاكرك شهية لذيذة في (بائع السكاكر) ، أشعر الآن بغبار (آدم سامي مور) ينقل لي حضارة أور ويرفع اصبعه نحو (بابل سامي مور) .
ورقتي النقدية حول أهمية المكان تتصدر واجهة الحاسبة التي أمامي ، سوف أحتفظ بها ، سنتحدث عنها في جلساتنا اللاحقة ، وسوف أقول كما قلته لك مراراً بأنك أديب مؤرخ ، فالمكان لديك الاطار والمضمون ، الغاية والوسيلة ، المبنى والمعنى ، سوف احتفظ بهذه الورقة ، فلدي الكثير من الآراء التي لم أقلها بعد ، سنفرشها معا في اللقاءات القادمة .
وداعا ابا مصطفى .. سنلتقي .
الى اللقاء .

About alzawraapaper

مدير الموقع