الرابطة القلمية وأثرها في مسيرة الإبداع العربي

د. ماجد عبد الله
في الربع الأول من القرن العشرين بدأ أدب المهاجرين يصل إلى المشرق العربي شيئا فشيئا ، وكان بين أولئك المهاجرين عدد من النوابغ في الشعر وبالنثر ، وقد استفاد هؤلاء الأدباء من أجزاء الحرية التي أتاحتها لهم البيئة الجديدة ، والتي كان الشرق العربي كله محروما منها ، بسيطرة الاستعمار الأجنبي والإقطاعيين العرب الذين كانوا يدهمونه ويمدونه بالحياة وبالقدرة على البقاء ، وسيطرة رجال الدين المتعاونين مع هؤلاء وأولئك ، لأجل حماية نفوذهم ومصالحهم .
عام 1916 ظهرت في أمريكا الشمالية مجلة ( الفنون ) للشاعر نسيب عريضة ، وحولها تكتلت مجموعة من الأدباء المهاجرين ، كان أبرزهم : جبران خليل جبران ، وأمين الريحاني ، ونسيب عريضة نفسه ، ثمّ انضمّ إليهم ميخائيل نعيمة ، فايليا أبو ماضي .
تلت الفنون جريدة ( السائح ) لعبد المسيح حداد ، ومن هولاء وغيرهم تألفت ( الرابطة القلمية ) عام 1920 واستبعد عنها أمين الريحاني بسبب خصومة كانت بينه وبين عميد الرابطة جبران خليل جبران ، وكان عدد أعضاء الرابطة عشرة فقط ، لم يكونوا كلهم على مستوى واحد من النبوغ والاستعداد الفكري ، وبعضهم لم يكتب شيئا ، وانما كان نصيرا للرابطة ومؤازرا لها ، وكان الهدف الأكبر للرابطة تجديد الأدب العربي ، وادخال حياة مشرقة في أوصاله التي أنهكتها عصور التخلف والركاكة ، وعصور الحكم الأجنبي وأنواعه المختلفة من الحكم العثماني الطويل الذي عمل جاهدا على عثمنة العرب ولغتهم حتى كاد ينجح في سلخهم عن أصلهم الى الحكم البريطاني والحكم الفرنسي اللذين شاءا نقل العرب الى مظاهر الحياة الغربية والفكر الغربي ، دون أن ينقلاهم الى حقيقة المدنية الحاضرة ، فألهيا العرب بالقشور .
عاشت الرابطة بمجموعة أعضائها احدى عشرة سنة ، وحتى وفاة جبران خليل جبران عام 1931 ثمّ أخذت حباتها تنفرط بعد ان عاشت حياتها بالعرض والطول معا ، وأدت رسالتها كاملة ، وتركت بصماتها واضحة في الأدب العربي المعاصر ، المشرقي منها والمهاجر على السواء .
كان زعيم مدرسة الرابطة ، جبران خليل جبران ، يمدّها بروحه الغنية وأفكاره وأخيلته الجديدة ، وكان ناقدها ومشرعها الأدبي ميخائيل نعيمة ، وكان شاعرها الأكبر أبو ماضي ، يليهم الشاعر نسيب عريضة والشاعر رشيد أيوب والشاعر ندرة حداد ، وكان عبد المسيح ناثرا لكنه لم ينشر من الكتب في عهد الرابطة القلمية غير مجموعة من القصص دعاها ( حكايات الهجرة ) الى جانب كتاباته في جريدته ( السائح ) التي كانت حديقة الرابطة ومسرح أفكارها وميدان عملها التجريدي في اعادة تكوين الأدب العربي بروح جديدة وأسلوب جديد .
جبران خليل جبران كتب الشعر والنثر ، وكتب القصة القصيرة والطويلة ، وكتب بالعربية والانكليزية ، وكان النثر هو الجانب الأكثر من انتاجه الأدبي ، وكانت فيه ثورة على ركود الأدب العربي ، وثورة على الحكم والاقطاعية وكذلك على تزمت رجال الدين في لبنان ، وفي الشرق أطلق على الأدب المهجري الجديد أسم ( الأدب الجبراني ، والاسلوب الجبراني ، والانشاء الجبراني ) لأن جبران كان أبرز أدباء المهجر على الاطلاق ، وكان باعث الروح الجديدة في الأقلام المهجرية ، والقسم من انتاجه الأدبي كتب بالانكليزي ثمّ ترجم الى العربية ، وكان كتابه ( النبي ) ثورة في الفكر ، تركت أصداء في امريكا خاصة .
وكان ميخائيل نعيمة ناثرا الا من كتاب شعري واحد ( همس الجفون ) الذي صدر بعد انفراط الرابطة القلمية وعودة نعيمة الى لبنان ، وأمّا مؤلفاته الأخرى فكانت نثرا كلها ، تأملا ، ونقدا أدبيا ، وأقصوصة ، ورواية ، وخطرات فكرية .
وكان ايليا أبو ماضي شاعرا فقط ، ونسيب عريضة كتب شعرا وكتب نثرا ، ورشيد أيوب أصدر أربعة دواوين شعرية فقط ، ولا نعرف له شيئا من النثر .
وكان أمين الريحاني من أبرز أدباء المهجر ، وكان يختلف عن الرابطيين بأنه كان داعية للقومية العربية والوحدة العربية ، ومن هذه الدعوة كتب بالانكليزية مدافعا عن العرب وناشرا لأدبهم ولقضاياهم في الغرب ، وكتب بالعربية داعيا العرب الى الوحدة ، وتجول في البلدان العربية من أجل اصلاح ذات البين بين ملوكهم و قادتهم ، ومن أجل اصلاح الحياة الاجتماعية في بلادهم ، ولعله أغزر المهجريين انتاجا ، كما كان من أبرزهم أثرا في الأدب العربي المعاصر بروحه الانسانية وبأفكاره الثورية الاصلاحية ، وكان مثل جبران ناقما على الحكام والاقطاعيين ورجال الدين في لبنان .
لم يكن هولاء كلّ أدباء المهجر الشمالي ، بل كان هناك آخرون يكتبون الشعر والنثر ، أذكر منهم / الشاعر مسعود سماحة والشاعر الرقيق أمين مشرق ، والشاعر نعمة الحاج الذي توفي في أمريكا بعد أن تجاوز الخامسة والثمانين من عمره والشاعر أسعد رستم .
الرابطة القلمية أوصلت شعاعها الابداعي الى كلّ مكان ، ولا زال تأثيرها ساريا حتى الآن .

About alzawraapaper

مدير الموقع