الدولة تأكل أولادها.. من علامات النزع الأخير للنظام الاشتراكي

نضال الصالح

عرفتهُ عن طريق صديق لي كان يملك منزلا صيفيا على شاطئ البحيرة وكان الجنرال يان كوفاتش يملك منزلا مماثلا وملاصقا، لا يفصل بين حديقتي المنزلين إلا سياج من الأسلاك. كان الجنرال وقتها نائبا لوزير الداخلية في الدولة التشيكوسلوفاكية الاشتراكية وكان من اهم رموز الأجهزة الأمنية في الدولة. بحكم وظيفته كان يقيم وفي اغلب الأوقات في العاصمة براغ وكان يحضر إلى منزله الصيفي في الصيف وفي بعض أيام العطل الأسبوعية والرسمية.
عندما التقينا، سألني عن بلد المولد فأخبرته فاكتشفت انه يعرف تاريخ القضية الفلسطينية وخباياها وان له علاقات وطيدة مع بعض ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية. تحدثنا في أمور سياسية مختلفة وتوطدت صداقتنا وكنت أزوره وزوجته في بيته في العاصمة السلوفاكية ويزورني وزوجته، حين تحين له الفرصة، في بيتي فلقد كان يعشق المطبخ العربي.
حدثني مرة قائلا، « انت الصديق الوحيد من دون أصدقائي ومعارفي، الذي لم يطلب مني أي خدمة» فأجبته بأنني لا أحتاج أي شيء وعندما احتاج سأطلب، ولقد كان كثير من الناس يسعون للتقرب منه من اجل حل بعض مشاكلهم الشخصية أو كسب المنافع. مرت الأيام وظلت علاقتنا تزداد توطدا ولقد جاء اليوم الذي احتجته فيه في امر بسيط. جاءتني مجموعة من التجار العرب وذهبنا سويا إلى براغ لزيارة بعض المؤسسات التجارية الخارجية، ولكنني عجزت أن أجد لهم نزلا في أي من فنادق العاصمة، فكانت جميعها محجوزة. اتصلت بسكرتيرة الجنرال، وعندما كشفت لها عن هويتي، أخبرتني بأن أوامر الجنرال لها بأن تقوم بتلبية طلباتي أيا كانت، فأخبرتها عن مشكلتي فسألتني عن اسم الفندق الذي أرغب وضيوفي النزول فيه، فأجبتها، أي فندق يفي بالغرض، لكنها أصرت على أن اختار أي منها، فأجبتها بأنني عادة انزل وضيوفي في فندق الانتركونتننتال ولكنه محجوز. ضحكت وقالت، اذهب للفندق فستجد الغرف التي تحتاجها محجوزة لك ولضيوفك. عندما عدنا للفندق كان خلف حاجز الاستقبال يقف نفس الشخص الذي رفضنا بحجة ان الفندق محجوز بالكامل، وعندما رآني وضيوفي اصفر لونه وأخذت يداه ترتجفان واعتذر لي بأن خطأْ ما قد حدث وان الغرف جاهزة، ولقد كانت الغرف فعلا جاهزة، مزينة بالزهور والهدايا المختلفة.
مرت الأيام وبدت علامات القلق تظهر على وجه صديقي وعندما كنت اسأله عن الذي يضايقه، كان يرد علي بأن الدولة تعيش مخاضا صعبا، ولا يشرح لي أي تفاصيل. فجأة وبناء على امر صدر من المكتب السياسي للحزب جرى إقالة الجنرال من منصبه، سحبت منه السيارة الحكومية وجرى إلغاء كل المكتسبات التي كسبها طوال خدمته فسحبت عن بيته الحراسة والغي هاتفه الحكومي كما سحبت منه جميع الميداليات التي اكتسبها أثناء خدمته.
بقي الجنرال على هذه الحالة مدة زادت عن الشهر ولقد ابتعد عنه كثير من اصدقائه ومعارفه الذين اعتاشوا على مكارمه ومساعدته لهم ولأبنائهم وبناتهم. وعندما كنت ادعوه لبيتي على العشاء كان كثير من الأصدقاء يعتذرون عن تلبية دعوتي بسبب وجوده ولم يخفوا ذلك ولكنهم كانوا يقولون بصراحة انهم لن يغامروا بتواجدهم في جلسة هو أحد حضورها وكانوا ينصحونني بأن ابتعد عنه ولكنني قمت بالابتعاد عنهم وبقيت على صداقتي مع الجنرال المتقاعد.
في صباح يوم باكر اتصل بي وكان صوته يرتجف، قال: أريد منك خدمة. قلت له: اطلب وستجدني ملبيا، إن ذلك في استطاعتي. قال: لقد اتصل الرفاق بي وطلبوا مني الحضور حالا لمقابلة وزير الداخلية، ولا يوجد عندي سيارة ولم يبق صديق لي إلا انت، فإن كان بإمكانك أرجوك ان تأخذني إلى براغ، يجب أن أكون هناك قبل منتصف النهار. قلت له بأنني سأحضر حالا لأخذه بسيارتي إلى براغ وأغلقت الهاتف. اتصلت بصديق مشترك لنا ظل على صداقته للجنرال واخبرته عن الأمر وطلبت منه المجيء معنا فلبى الطلب. مررت بصديقي واخذته وذهبنا إلى منزل الجنرال فوجدناه في لباسه المدني ينتظرنا واقف في حديقة منزله. جلس بجانبي وتحركنا. طلب مني ان أسرع وأضاف بأنهم تركوا له بطاقة الطوارئ ولم يصادروها وأضاف لعلهم نسوا ذلك.
كان طوال الطريق صامتا وكان بين الحينة والحينة يخرج عن صمته ويقول لي: سيقتلونني يا صديقي، سيقتلونني، فأنا اعرف الكثير عن اسرارهم وخباياها، سيقتلني الرفاق يا صديقي، تأكد من ذلك». حاولت ان استفهم منه ماذا يعني قوله هذا فكان يردد من جديد: «سيقتلني الرفاق يا صديقي فأنا اعرف جميع اسرارهم». وعندما قلت له أن أحدا لن يقتله فنحن لا نعيش في غابة وحوش، ضحك وقال: « انت لا تعرف شيئا يا صديقي، تأكد من أنهم سيقتلونني».
وزارة الداخلية في براغ تقع في ساحة تسمى ساحة الأبطال، وهي عمارة ضخمة يصل بابها الرئيس بالطريق درج عريض على جانبية حاجز من الحديد. وصلنا إلى بناء الوزارة وتوقفنا امام الدرج واتفقنا مع الجنرال أن ننتظره في مقهى في الجهة المقابلة من الساحة. نزل من السيارة وصعد الدرج شبه راكض وكان قوامه ذو الأكتاف العريضة وذو القائمة الشامخة يدل على رتبته.
مرت الساعات ونحن جالسون في المقهى ولقد شربنا كميات كبيرة من القهوة حتى بدأت معدتي تؤلمني. كنت اراقب، بين الحينة والأخرى، درجات الوزارة، لعلني أرى الجنرال خارجا من المبنى. فجأة رأيت رجلا كهلا يمسك الحاجز الحديدي للدرج وينزل ببطيء وحذر وعناء. صحت على صديقي، هذا هو الجنرال فأجابني صديقي بضحكة: لا يمكن ان يكون هو، فهذا رجل كهل والجنرال قامته فارهة وعريض المنكبين، فهو جنرال يا صديقي. ولكنني لم انتظر لأسمع بقية كلامه، فقمت وخرجت من المقهى راكضا تجاه الوزارة وصديقي يلحقني ويصيح، اين انت ذاهب يا مجنون فهذا ليس برجلنا. ولكنه لحق بي حتى وصلنا الرجل الكهل ولم يكن كهلا، فلقد كان فعلا صديقنا الجنرال ولكن منظره وكأنه قد تقدم في السن عشرات الأعوام. كان ابيضا مثل الثلج وكان وجهه خاليا من الدم متعبا يصعب عليه التنفس. مسكنا به من ذراعيه وقدناه بعبء إلى المقهى. طلبت له كأسا من الفودكا فشربها دفعة واحدة دفعت الدم إلى وجهه. سألته إن كان جائعا فنفى ثم قال: ارجوكم، دعونا نعود إلى براتسلافا وإلى بيتي.
ركبنا السيارة وتحركنا إلى براتسلافا. كان الجنرال، طوال الطريق، صامتا، زائغ العينين، وبين الحين والحين يلتفت إلي ويقول: «قتلني الرفاق يا صديقي، لقد قلت لك بأنهم سيقتلونني وهاهم قد قتلوني». ولم افهم ما كان يقول، كيف قتلوه وهو جالس إلى جانبي يتحدث معي، لربما يعني ذلك إيجازا لما فعلوه به. وكنت أتساءل، هل وضعوا له السم في شراب، ولكنه لم يشكو من أي آلام جسدية، ولقد وصل بي الخوف ان يموت في السيارة وتساءلت ماذا سأفعل به إن مات في السيارة فعلا، ولكنني طردت من فكري كل هذه الأوهام والتصورات. حاولت ان احدثه ولكنه لم يستجب لحديثي وظل شاردا وبين الفترة والأخرى كان يهمس نفس القول: «لقد فعلوها وقتلوني، لقد قلت لك انهم سيقتلونني وهاهم قد فعلوها، لقد قتلني الرفاق يا صديقي».
لقد ظل الوضع على هذه الحال إلى ان وصلنا منزل الجنرال في براتسلافا. صديقنا المرافق لنا نام طوال الرحلة وعندما وقفنا فتح عينيه وسألني اين نحن فأخبرته. ساعدنا الجنرال في النزول وادخلناه المنزل ووضعناه في السرير واخبرت زوجته ان تدعه ينام وبعد ذلك يمكنها ان تتحدث معه وتفهم منه ما الذي جرى معه وغادرنا كل إلى منزله بعد أن وعدنا زوجته بزياته في الصباح.
في الصباح التالي اتصلت بمنزل الجنرال فأجابتني ابنته واخبرتني أن والدها في المستشفى، لقد ساءت حالته في الليل فطلبوا له الإسعاف، سألت عن والدتها فأخبرتني انها مع والدها في المستشفى. اتصلت بصديقي وذهبنا للمستشفى لزيارة صديقنا الجنرال، فمنعونا من زيارته. في الصباح الباكر أخبرونا بأن الجنرال قد فارق الحياة حوالي منتصف الليل. وفي اليوم التالي حضرنا جنازته التي شارك فيها افراد عائلته وبعض أصدقائه الذين بقوا على إخلاصهم لصداقته ومجموعة من أعضاء الحزب القدماء، الذين كانوا يكنون له الاحترام.
عندما صافحت زوجته معزيا، طلبت مني ان آتي لزيارتها في المساء وطلبت مني أن احضر وحدي. قالت ان زوجها ترك لي معها رسالة شفوية. زرتها حسب طلبها، جلست بجانبي وقالت: قتلوه يا نضال. سألتها ماذا تعني وأخبرتها أن الجنرال تحدث عن قتلهم له ولكنني لم افهم ما يعنيه. قالت عندما دخل الوزارة لمقابلة وزير الداخلية، أخذوا منه بطاقة عضوية الحزب وجميع البطاقات الأخرى ماعدا هويته الشخصية، ثم ادخلوه إلى غرفة وطلبوا منه الانتظار إلى ان يفرغ الوزير من مهماته وسوف يقوم بمقابلته. بقي في تلك الغرفة أكثر من ساعتين ثم جاؤوا وأطلقوا سراحه. قلت وكيف قتلوه إذن، قالت: «لقد سلطوا عليه مادة إشعاعية اتلفت كبده واعضاءه الداخلية. عندما رأت في عيناي الشك اضافت، لقد طلبنا ان يشرحوا الجثة ولكنهم رفضوا ولكننا قمنا سرا، بواسطة طبيب صديق، بتشريح الجثة فثبت قول زوجي بأنهم فعلا قتلوه بواسطة اشعة قاتلة. طلبت مني ان لا اتحدث مع أحد في هذا الموضوع وأن ابقيه سرا، فوعدتها. وبقي الأمر سرا إلى سقط النظام الاشتراكي وبدأت كثير من الخبايا تظهر. لقد رفعت زوجة الجنرال دعوة تطالب بمعاقبة من قتلوا زوجها ولكن دعوتها لم تنجح».

About alzawraapaper

مدير الموقع