الحكي التراثي والأسطوري في مجموعة (عودة شهرزاد) للقاص فلاح العيساوي الرؤية والإمتاع

د. مصعب مكي زبيبة
الحكاية هي النغم الذي يحاكي الحياة، وهي التي تحاكي زمكانية الأحداث وتستنسخ شخوصها من أشخاص الواقع الخيالي، عبر تقنياته (الميتافيزيقية)، إن الاشتغال بهذه التقنيات بشكل واع محترف يولد لنا رواية أو قصة متميزة على الصعيد الفني، وتنتج لنا أيضاً أساساً متزامناً من محاكاة الواقع بإطار أسطوري، إذ إن الصعيدين الفني والدرامي لا يكادان ينفكان عن بعضهما ببعض؛ لأنهما منسوجان في عملية سردية محكمة.
الحكايات هي التي تداوينا حينما نكون في وضع صعب، وهي التي تعيد تكويننا من جديد حينما نكون محطمين مشردين، وهي التي تصقلنا عندما يعترينا غبار الهموم، وهي التي تعيد توازننا عندما نكون مهشمين، منكسرين.
فعندما نتأمل الحكايات التراثية التي جاءت بعنوان (عودة شهرزاد) للقاص النجفي المبدع (فلاح العيساوي) نجد أنها كانت ببناء معمري محكم اصطخبت فيها الأسطورة مع المعاصرة، والعجائبي مع الواقع والتناص من قصص (ألف ليلة وليلة) مع الأحداث الحاضرة، وكل ذلك انصهر في بوتقة سردية خصبة، منتجة لنا عملاً مختمراً قوياً فيه نلاحظ التقنيات السردية متكاملة، إذ تمكن الروائي والقاص فلاح العيساوي من أدواتها، فرشحت عن هذه الحكايات الرؤى الفلسفية والأفكار المعرفية، والتاريخ والمتياتاريخ.
ففي حكاية (بدر الزمان) يبدأ القاص بعبارة (في قديم الزمان كان…) وهذا يعني أننا في قبال قص أسطوري تاريخي، ولكن القاص يصدمنا بإيراده أسماء عصرانية (عامر ـ قاسم ـ أحمد)، ثم ينتقل مرة أخرى إلى التأرخانية عبر عبارة (وهو من كبار تجار القماش) إذ تقترن هذه التجارة بالتاريخ إذ كانت تجارة القماش تجارة عامرة تشد إليها الرحال والسفر من أجل جلبها من البلدان البعيدة، فهذه التجارة حاضرة في الذاكرة التاريخية للقارئ. وهذا التناوب بين العصرنة والتاريخ ولد تكثيفا درامياً خصباً رفد القص زخماً إضافياً عبر الشد بين هذين العاملين.
ونلاحظ في القصص الوصف المكثف، فهو على سبيل المثال يصف مملكة الأميرة بالقول: (كانت المملكة جميلة للغاية فأنهارها جارية وأشجارها كثيفة وقطافها دانية وأفياؤها مظللة، ورياضها كثيرة الأزهار، أريجها يفوح بعبق الياسمين مناظرها أخذت مأخذها من أحمد)، وهذه الدينامية أو الهندسة الوصفية أحد أهم الأساليب في الخطاب السردي وتعد ممارسة تقنية جادة في تصوير الأحداث والمكان والزمان والطبيعة والعواطف، إذ يعد الوصف في النسيج السردي محفزاً في إنشاء العلاقات المؤثرة بين عناصر القص ما بين أحداث وشخوص ومكان وزمان ويعمل على تكثيف الدلالات البيئية والاجتماعية التي يريد القاص أن يقدمها بوصفها رسالة للقارئ فكان الوصف عند القاص (فلاح العيساوي) تقنية تعويضية مشرعنة للوسائل المرئية من سينما وتلفاز ومسرح.
والوصف الأسطوري يبدو واضحاً في عبارات عديدة من بينها: (فهما ماتا بحد السيف؛ لأنهما لم يفلحا بالإجابة على أسئلة الأميرة بدر الزمان)، و(فلم يلبث الملك بعدها بشهور قليلة أن تزوج بساحرة جميلة جداً، ولم يكن يعرف حقيقتها، فما كان منها إلا أنها سحرت الملك فأغمضت عينيه عن أفعالها وكانت تكره الأميرة بدر الزمان فسحرتها وحولتها إلى غزالة، هامت على وجهها في الصحراء) و(ولكن الأميرة عندما كانت غزالة في الفيافي صادفها غزال عاشرها… لذا عندما إعادتها الساحرة إلى طبيعتها لم تعد فتاة باكراً)…فقد نجح في توظيف الموروث الشعبي والأسطوري بصورة إبداعية لا تعتمد على الاجترار والمطابقة، بل كانت لمسة القاص بادية في تكوين هوية خاصة للقاص حاول فيها تفكيك البنية الشعبية إلى أداة سردية حداثوية ناهضة في تحويل الموروث الراكد إلى أمواج من التعبير المتدفق بالجمال والحداثة والإبداع، ابتداءً من عنوان المجموعة القصصية (عودة شهرزاد)، فمن حدث انقلاب الفتاة الجميلة إلى غزالة ثم خسارتها لبكارتها يشتغل الروائي (فلاح العيساوي) على هذه الثيمة الأسطورية اشتغالاً يفرض بنيته المشفرة المتبلورة من التخييل.
إذ اختبأ القاص (فلاح العيساوي) في جلباب الميثولوجيا لإظهار موقفه الرافض للتسرع والانتفاع وعدم التبصر والروية، والداعم للصبر والذكاء والتأني، إذ جاءت العبارة الأخيرة ليشيّد هذا الموقف الرؤيوي للقاص بصورة صريحة إذ يقول: (وتم الزواج وعاشت الأميرة والأمير أحمد الذي أصبح بعد وفاة الملك ملكاً بصبره وذكائه.(
لا يكتفي القاص (فلاح العيساوي) بالوقوف على المعالم السردية والأسطورية بل يتجاوزها إلى إطار الشفاهية الحاضرة في قصة (الملك والحطّاب والتفاحة)، إذ نجدها مبثوثة في عبارات منها: (وأخرى اسمها (سمر) كانت بارعة في سرد القصص وأخبار الماضي والحاضر فصارت تحدثه وتحكي له قائلة…) وفي (فانتبه الملك إلى حديثها عن الكاهن أشد الانتباه وطلب من الجارية سمر أن تزيده من الحديث عنه، فقالت سمر سمعاً وحباً وطاعة يا مولاي الملك واستمرت إلى الفجر وأنهت حديثها). و(قال مخاطباً الملك أيها الملك الرشيد والحاكم السديد والمعظم الكبير عبدك وخادمك كهلان بن عجلان بين يديك وفي طاعتك فأمرني بما تريد)، وهذه الشفاهية التي يمكن قراءتها ضمن منظومة فكرية تبث أفكارها الثقافية والخطابية لتكشف عن انساقها الفكرية التي ينتمي إليها الكاتب وليميط اللثام عن القضايا التي تشتغل عليها حكايا القص عنده وعندما نستقصي هذه المظاهر نجد نمط الرسائل التي يرسلها بكل نجاح إلى القارئ: (أيها الكاهن اللعين أين كلامك من أنني لا أستطيع تغيير القدر؟!، وها أنا قد غيرته، فقد قتلت الحطاب وزوجته الحامل وجنينها وزوجت ابنتي الأميرة من ابن صديقي الوزير وأنت أردت أن أزوج ابنتي من ابن الحطاب الفقير الذي لا يصلح أن يكون عندي حتى خادماً). ولكن ما أراد القاص أن يبثه للقارئ من خطاب يؤمن به ويدافع عنه في قصته أن القدر لا يمكن أن يتغير مهما كانت القوة التي تحاول أن تمنع هذه الإرادة، ولهذا تظهر الرؤية التي يدافع عنها القاص فلاح العيساوي في خطابه السردي على لسان الكاهن: (أيها الملك لا تفرح ولا تفتخر فأنت لم تستطع أن تغير القدر المقدر ووقوعه إطلاقاً…). وأن الشر الذي يبدو بارزاً قوياً مآله هو الأخر إلى الزوال والتلاشي مهما كانت قدرته قوة متمكنة، وهذه الرؤية ظهرت عندما لاقى الملك الظالم مصيره الأسود إذ سقط صريعاً من أثر الصدمة التي نالها من معرفة أن زوج ابنته لم يكن إلا سوى ابن الرجل الفقير الذي فتك به وبامرأته، إذ تجلت هذه النهاية بالقول: (كان جواب الوزير كالصاعقة التي نزلت على رأس الملك القاتل، فسقط صريع الصدمة ومات من ساعته). وعلى هذا كانت الرؤى التي يؤمن بها القاص فلاح العيساوي حاضرة بقوة في ثنايا المجموعة القصصية وكانت أيضا الميتاتاريخ والميتافيزيقية والتخييلية والتراث الشعبي والأسطوري حاضر في جميع قصص المجموعة ومن هنا يتحصل الإمتاع والدفع نحو الرؤى المصطفة بجانب الفضاءات الإيجابية، ولا شك أن قارئ هذه المجموعة الخضلة بالعطاء والإيجابية سوف يحصل على شحنة معنوية مردها إلى الإمتاع والخطابية الظاهرة بقوة عبر دفقات الحكايات التي رسمها بدقة الروائي والقاص المبدع فلاح العيساوي.

About alzawraapaper

مدير الموقع