الحفيدة الأميركية بين وطنين…

هديل حسام
الحفيدة الاميركية رواية للكاتبة انعام كجه جي، الصادرة عن الدار الجديد في طبعتها الرابعة لعام 2016. تقدم هذه الرواية صورة عن محنة الإنسان بين وطنين، وتطرح فكرة الانتماء والهويّة، وكيف يمكن للإنسان المنزوع من وطنه مجبرًا أن ينتمي لأرض أخرى، فتكون له وطنًا جديدًا يمنحه كل الولاء ويشعر معه بالانتماء. وهذا من خلال لغة بسيطة قريبة للنفس مفهومة وسرد لا تعقيد فيه. تدور أحداث الرواية حول (زينة) الحفيدة التي يُشار لها في غلاف الرواية في العنوان والصورة. زينة هي الشخصية الرئيسة في العمل وتأخذ على عاتقها دور الراوي العليم، إذ تقوم شخصيتها المركبة بتقديم السرد بالتناوب هي وذاتها، الى أن تتسلم زينة دفة الحديث في الأخير بشكل كامل. شخصية زينة تقدم لنا صراع الانسان مع نفسه، فالذات الداخلية هنا هي الروائية الكاتبة التي لم تتقبل فكرة انتماء زينة لوطن اخر مثل أميركا، تكنّ له كل الولاء لدرجة الانتماء لصفوف جيشه المحتل لوطنها الأصلي العراق، وتأتي لتكون مترجمة في وطنها الأم وهذا ما توافق مع جدتها رحمة وأفكارها. فتكون ذات زينة هي الشخصية الرافضة المتمسكة بالوطن الام، وزينة تمثل صورة الإنسان المتقبل لفكرة الانتماء لوطن آخر والدفاع عنه. تطرح الرواية صورة لاختلاف الأجيال المتمثل بشخصية زينة التي قدمت صورة الحاضر والمستقبل وجدتها (رحمة) التي قدمت صورة الماضي الجميل الذي كان بمثابة الايقونة الحاملة للوطن الأم بداخلها والتي حاولت الجدة أن تعيد حفيدتها اليه. زينة الطفلة التي تغادر مع عائلتها بعد أن يتعرض والدها للاعتقال والتعذيب، فتجد العائلة في اميركا وطنًا جديدًا، لم تستطع الام (بتول) أن تتأقلم معه، ولا الجدة (رحمة) من الذهاب إليه فبقيت في العراق لوحدها. قدمت الرواية صورة للاختلاف الذي حل بالبلاد وكيف أصبح ساحة للموت بعد أحداث الاحتلال، كما ومثلت شخصية والد زينة صورة عما كان موجود من خراب واضطهاد في العهد السابق. قدمت شخصية الجدة رحمة صورة الانتماء الحقيقي للوطن والمحبة للماضي الجميل الذي بقي في داخلها حتى مع تقدم الزمن، بينما أوضحت شخصية زينة أن الوطن ليس هو ما مكتوب على الورق، بل الوطن هو الشعور بالأمان والراحة لهذه الأرض أو المكان وإحساس الانسان بالانتماء لهذه البقعة من الأرض دون غيرها. تلتحق زينة بصفوف الجيش الاميركي لتعمل كمترجمة لديهم في العراق، إذ وجدت في هذا فرصة للحصول على المال الذي تحتاجه هي وعائلتها، تأتي الى العراق محملة بصورة من الطفولة، فتجد كل شيء مختلف، تلتزم بكل ما تمليه عليها بدلتها العسكرية وشعورها بالانتماء لأميركا. تعيش صراعها الداخلي وحبها المدفون في ذاتها للعراق، التي لطالما حاولت قمعه وعدم الاعتراف به الى أن التقت بجدتها التي اعادتها للماضي محاولة السيطرة عليها، الجدة التي رفضت كل شكل من اشكال الاحتلال ولم تتقبل فكرة انتماء حفيدتها لجيشه، ومن ثم لقاءها وحبها لأخيها في الرضاعة مهيمن ابن طاووس المرأة التي كانت تخدم جدتها وتعينها على وحدتها، ورغم انها تدرك من أول لقاء لها مع جدتها في عراق ما بعد الاحتلال، أن أولاد طاووس اخوتها في الرضاعة، الا أنها أحبت (مهيمن) متناسية كل ما لهُ صلة بالأخوة والدين. مهيمن المنتمي لفصيل مقاومة لجيش الاحتلال، ليشكل مع زينة طرفا نقيض جمع بينهم الحب. فكرة محبتها لمهيمن رغم انها تدرك انه أخوها، تبين لنا شدة تأثرها وانتمائها لوطنها الجديد الذي لا يعترف بمثل هذه الاشياء، وقد تكون صورة مهيمن صورة البلد (العراق) الذي عرفته في مرحلة الطفولة، وغابت عنه، فكان حبها له هو حبها لوطنها الذي لم تعرفه إلا في مرحلة طفولتها وعادت اليه الآن. للمكان في الرواية أثر كبير توزع على دول مثلت مراحل مهمة من حياة زينة، العراق الذي مثل مرحلة الطفولة الجميلة التي تحولت ألفتها الى خوف وألم باعتقال والدها، والذي بقي ثيمة عالقة في روحها. أميركا التي وجدت فيها وطن احتضنها ووفر لها الامان والحياة الجيدة. العراق من جديد الوطن المكسو بثوب الغربة وعدم الانتماء. الأردن التي كانت مكانًا أليفا شهد معرفتها بمهيمن وحبها له، ومن ثم اميركا التي تحولت الفتها الى شتات عانت منه روح زينة بعد أن احست بوطنها الأم وغادرته محملة بشجن كبير. في الرواية اشارات للوحدة وعدم التفرقة بين أطياف الشعب العراقي، لكل الظروف الصعبة التي عاشها البلد والناس، قدمت الكاتبة من خلال زينة الآمال التي كانت مرسومة والوعود بالحرية والحياة الأفضل التي حملها الاحتلال يلوح بها عند دخوله البلاد، ومقابلها زيف كل شيء جاء به المحتل . تنتهي الرواية بعبارة (شلت يميني إذا نسيتك يا بغداد)، لتشير الى التغيير الذي حصل في شخصية زينة بعد أن انتهى عقدها كمترجمة وعادت لأميركا محملة بحب وشجن للوطن والاشخاص، كما وتوضح لنا ان زينة عادت محملة بنصفين، مشتتة روحها بين وطنين العراق وأميركا، وان لكل منهما مكانة عندها ومكانًا في قلبها وذاكرتها. وثمة اشارة في كلمة اليمين، فهي تشير لليد، وليس للقلب، وهذا دليل غير مباشر على عدم قدرتها للتخلص من الوطن الثاني الذي عاشت فيه وشعرت بالانتماء لأرضه .

About alzawraapaper

مدير الموقع