الحرية .. كلمة : أبطال الوحدة العاطفية

رباح آل جعفر

رباح آل جعفر

غالباً ما يتبقّى من أجساد الشهداء أكفّهم حتى نطبع عليها قبلة الوداع . غالباً ما تترك لنا المدن القتيلة تذكارات جميلة من معالمها وأطلالها على شكل بطاقات ملوّنة حتى نكتب عنها دواوين من المراثي .
ولولا أن العناق لا يحلّ مشكلة ، فنحن العرب أكثر الناس نذوب في العناق بالأحضان ، ونطبع القبلات فوق الخدود ، ونتغنّى في عفّة بالقلوب الخوافق .
في الشعر العربي دواوين كاملة تتحدث عن عناق اللؤلؤ على صدور الجميلات ، وتقبيل شفاه الأرض من تحت أقدام الحبيبة ، ولثم الأحزان على الجدران : ( ألا عم صباحاً أيّها الطلل البالي ) .
وكانت السيدة أم كلثوم من أبطال الوحدة العاطفية بين العرب بعد أن استحالت علينا الوحدة السياسية . كانت تغني أغاني الحب وقصائد شعراء الغزل فتحظى بمليون قبلة على الهواء من الشعب العربي ، ومليون تحيّة من هؤلاء العشاق الضعيفة قلوبهم بجوىً يضطرم بين الضلوع !.
وكان عبد الحليم حافظ من أبطال هذه الوحدة في أغنيته الوطنية الشهيرة ( وطني حبيبي الوطن الأكبر ) ، وسيد مكاوي في أغنيته (الأرض بتتكلم عربي ) ، وعبد الوهاب في ( أخي جاوز الظالمون المدى ) .. ومع هذه الأغاني والأناشيد كلها ، فإننا لم نسترجع شبراً واحداً من أرض فلسطين التي ملأنا بها الهواء صياحاً وهتافاً ، وكانت تستوطن حناجر المغنّين وشغاف القلب ، وتملأ حدقات العين سناءً وضياء ، كما لم نصحّح خطأ واحداً من الأخطاء التي ارتكبناها باسم فلسطين !.
وكنا نتوهّج جلالاً بصور أبطال العروبة . نتعشّقها ونعلّقها على الجدران كسيف يماني مرصّع بالذهب ، ابتداء من عمر المختار إلى جمال عبد الناصر . ثم خرجنا من حروبنا وأغانينا وأناشيدنا وفلكلورنا ممزّقين محطمين ، ورأينا المثل العليا تتهاوى أمام عيوننا تحت أنقاض الهزيمة !.
وتوالت علينا الصادمات الفاجعات ، وتعاظم الخطب والتيه ، واستبدلنا الوطن الأكبر بأرخبيل من جزر الطوائف والمذاهب والقوميّات ودويلات من كانتونات ، واستعضنا عن شعارات الوحدة العربية بعبارات تقول : ( الأردن أولاً ) ، و ( إماراتي وافتخر) ، و (سوريا وبس ) ، و ( أنا تونسي ) ، و ( ارفع رأسك أنت عراقي ) ، و ( ليبي وأعتز ) ، و ( السعودية للسعوديين أولاً) !.
أوطان أشبه بسفن تتأرجح في عرض البحر تستعد لموعد الغرق ، وشعوب معجونة بالمرارة اقتلعها الطغاة والربيع الأطلسي وحوّلها إلى لاجئين في مخيّمات ، وبلادنا مكشوفة مثل أسرارنا القومية وأناشيدنا الرديئة !.
صرنا نستحي أن ننظر إلى الخريطة . سقطت الخريطة كما سقط القناع الأخير ، ونحن نسترق النظر كمن يتلصّص على عواصم عربية لم تسقط بعد . وبينما كانت الأمة قلقة على ليلى المريضة في العراق ، فقد كبرت علّة ليلى العراقية وأوجاعها ، وشحب وجهها وشاخ واصفرّ وذبل ، فإذا الأمة كلها تشكو من مرض ليلى الذي صار مرضاً قوميّاً عضالاً لا شفاء منه ولا دواء !.
اليوم أصبحنا نعاني من نقص المناعة في درس القومية العربية ، سقط المشروع القومي وتهاوى ، وصار الحفاظ على الوطن الواحد من التشطير والتدوير والتقسيم من الكبائر ، والخط الفاصل بين الجنة والنار .

About alzawraapaper

مدير الموقع