“الحرب التي لا تراها” تاريخ في تورط الصحافة ووسائل الإعلام الرئيسة في صناعة الحروب

علي المسعود
“الحرب التي لا تراها ” فيلم وثائقي بريطاني أنتج في عام 2010 ، وكان من تأليف وإخراج “جون بيلجر ” مع “آلان لوري”، الفيلم يكشف حقائق عن وسائل الإعلام والدور الذي لعبته في الصراع في العراق وأفغانستان وإسرائيل / فلسطين . هو عبارة عن تحقيق قوي وفي الوقت المناسب في دور وسائل الإعلام في الحرب ، وكذالك يلاحق تاريخ التقارير المضمنة (غير النزيهة)، والمستقلة منذ مذبحة الحرب العالمية الأولى إلى تدمير هيروشيما، ومن غزو فيتنام إلى الحرب الحالية في أفغانستان والكوارث في العراق. ونكتشف فيها حقيقة وهي ، حينما تصبح الأسلحة والدعاية أكثر تطوراً ، تتطور طبيعة الحرب إلى ساحة معركة إلكترونية يلعب فيها الصحفيون دورًا رئيسا ، ويكون المدنيون هم الضحايا، ولكن من هو العدو الحقيقي؟ يقول المخرج والصحفي” جون بيلجر” في الفيلم: “نحن الصحفيون … يجب أن نتحلى بالشجاعة الكافية لتحدي أولئك الذين يسعون إلى تواطؤنا في بيع أحدث مغامراتهم الدموية في بلد شخص آخر، وهذا يعني دائمًا تحدي القصة الرسمية، مهما كانت تلك القصة وطنية قد تظهر، لأن الدعاية تعتمد علينا في وسائل الإعلام لتوجيه خداعها ليس إلى بلد بعيد بل عن منزلك، في هذا العصر من الحرب الامبريالية التي ليس لها نهاية ، تعمتد حياة الالاف من الناس من الرجال و الاطفال والنساء على نقل الحدث بامانة وعلى الحقيقة ، وأن لا ستذهب دماءهم وحياتهم هدرأّ، وعلى الصحفيين أو الاعلاميين أولئك الذين مهمتهم نقل الحقيقة و ايصالها الى العالم، وأن يكونوا صوت الناس وليس صوت السلطة . في عصر الحرب الإمبريالية التي لا نهاية لها ، تعتمد حياة عدد لا يحصى من الرجال والنساء والأطفال على الحقيقة يجب أن يكونوا صوت الناس” ، لن أراجع الفيلم الوثائقي ل(جون بيلجر) “الحرب التي لا تراها” (2010). إنه أبعد من النقد ولكي أكون أمينًا ، فقد كان له تأثير عميق علي . يبدأ الفيلم بتصوير مروع من العراق في عام 2007. حين فتحت طائرة حربية أمريكية من طراز أباتشي النار في أحد شوارع بغداد ، مما أسفر عن مقتل صحفيين من وكالة أنباء (رويتر) بدم بارد مع مدنيين عراقيين ، لايوجد أي استفزاز – الضحايا كانوا غير مسلحين، أحد أفراد طاقم أباتشي يعلق “لطيف”وهو يقتل الناس على مسافة آمنة، تم تسريب الفيديو إلى “ويكيليكس” بواسطة الجندي برادلي (فيما بعد تشيلسي) مانينغ ، والذي يحمل عنوان “القتل الجانبي”.
بعدها يعود بنا المخرج “جون بيلجر “الى المذبحة الاولى التي اطلق عليها الحرب العالمية الاولى والتي راح ضحيتها حوالي 16 مليون قتيل و12 مليون جريح، في ذروة تلك المجزرة وخلال حديث رئيس وزراء البريطاني في تلك الفترة (ديفيد لويد جورج) محادثة خاصة مع رئيس تحرير صحيفة الغارديان”سي بي سكوت” قال فيها :” لو عرف الناس الحقيقة ستنتهي الحرب غدا، لكنهم بالطبع لا يعرفون ، ولا يمكن ان يعرفوا” في حين كان البريطانيون متعطشين لمعرفة الحقيقة في حينها !. المخرج و الصحفي (جون بيلجر) يوجه اتهامًا أكثر خطورة : “في كثير من الأحيان ، تقوم هيئة الإذاعة البريطانية ، وغيرها بالإبلاغ فقط عن الصراع من منظور أولئك الذين يشنون الحرب ، وليس أولئك الذين هم في كثير من الأحيان هم الضحايا – المدنيون. وهو يدعي أن “دمج” المراسلين إلى جانب القوات المسلحة في أفضل الأحوال ، يشوه القصة والأسوأ من ذلك ، يجعل وسائل الإعلام الناطقة بلسان الجيش”، في يومنا هذا وفي زمن الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي لدينا نشرة اخبار على مدار الساعة وخلال 24 ساعة، تصريحات السياسين لاتتوقف والحروب كذلك لاتتوقف ، في العراق وفي سوريا واليمن وفي ليبيا وافغانستان ومناطق اخرى وهي مناطق ساخنة، وهذا الفيلم يكشف الحرب التي لاتراها ، ويحقق الفيلم في دور وسائل الاعلام في تلك الحروب وبالتحديد في العراق وافغانستان ، ولماذا يقرعون الصحفيون طبول الحرب بصرف النظر عن اكاذيب الحكومات؟؟. وكيف لجرائم الحرب ان تروى و تبرر؟، ويتطرف الفيلم الى رائد الدعاية الحديثة ( أدوارد بارنيز)، وهو الذي أخترع مصطلح “العلاقات العامة “و كتب يقول” التلاعب الذكي بالجماهير هو حكومة خفية ، والتي هي السلطة الحاكمة في بلادنا”.
وكانت لجنة سرية وهي لجنة الاعلام في الولايات المتحدة الامريكية قد انشئت في عام 1917 ، لاقناع الامريكيين المترددين لغرض الانضمام الى الحرب في أوروبا، أداور بارنيز مع والتر ليبمان قصدوا( وودرو ويلسون) – وهو الرئيس الثامن والعشرين للولايات المتحدة من عام 1913 إلى 1921 – وقالا له حسب رواية ستيوارت إيون وهو مؤرخ إعلامي : “أذا اردت الدخول الى هذه الحرب، علينا ان نبيع هذه الحرب للشعب الامريكي”، وعندها وضع ويلسون خطة وابتكر اوليات الدعاية الحديثة، أفضل طريقة لاقناع الناس هي الاستحواذ على عواطفهم ، ودعونا ان نشغل الناس في اكتشاف الحقيقة، عن طريق الصدمة وإصابة الناس بالخوف والهلع الشديد!، في الواقع كان عبقريا في تصورها، ونشروا في الصحف صورة لتمتال الحرية في حالة يرثى لها ومتداعيا في ميناء نيويوك والطائرات الالمانية تحلق حوله..!!. وصورة أخرى للعالم وهو يسقط بين غوريلا عملاقة يديها ملطخة بالدماء وتعتمر خوذة المانية ، الحقائق ليست مهمة ، أما بالنسبة الى” أداورد بارنيز” فقد حول العلاقات العامة الى ساحة حرب ومعركة على الشعب لغرض التحكم بأرادتهم، فقد تمكن من اقناع النساء في التدخين في كرمز للتحرر، في الوقت الذي كان يعتبر التدخين في الاماكن العامة لا يليق بالسيدات ، وأطلقت عليه الصحافة ( عذاب الحرية)، ونجح في ذالك واصبح التدخين رمزا للمرأة الجديدة أو المراة المتحررة، ثم يعود بنا المخرج الى العراق وبالتحديد الى 20أذار\/ مارس 2003 وحالة خلق الاوهام ، والتجارة بالحروب وقد قطعت شوطا كبيرة منذ عهد ( أدوارد بارنيز)، حقيقة غزو العراق وبيع هذا الغزو بعد أن اعتمد على وسائل الاعلام للترويج لسلسلة من الاوهام و الاكاذيب ، مثل علاقة صدام حسين بهجمات 11 سبتمبر ، وتم استخدام ملصق برج التجارة العالمي بدلا من تمثال الجرية الذي استخدم من قبل “أدوارد بارنيز” لزرع الخوف والهلع في قلوب جموع الشعب الامريكي والتاثير على الرأي العام العالمي، لذا تم الربط بين صدام حسين في العراق وبرج التجارة العالمي في نيويورك في ذهنية المواطن الامريكي، بالرغم أن الحقيقة التي كشفت أكاذيبهم، وثبت بانه لاتوجد علاقة بين صدام حسين واحداث الحادي عشر من سبتمبر .
بيع” غزو العراق عام 2003 هو محور فيلم جون بيلجر. ويعرض وسائل الإعلام كمصدر للأوهام ، يقول شاهد من وكالة المخابرات المركزية : إن الهدف الرئيس للمخابرات هو التلاعب بالرأي العام . وفي سلسلة من المقابلات الرائعة، اتفق الصحفيون البارزون في بريطانيا والولايات المتحدة على أنه لو تحدثوا هم وزملاؤهم بدلاً من تضخيم وترديد خداع حكومتهم لربما لم يحدث غزو العراق، المراسل ديفيد يشير – الذي شارك في حملة الأوبزرفر عن الغزو – إلى “حزمة الأكاذيب التي زودني بها هي حملة تضليل متطورة إلى حد ما” ويوافق على أن الصحفيين مذنبون بارتكاب جرائم حرب.
وزارة الدفاع الامريكي تنفق المليار دولار سنويا فقط على الدعاية والاعلام، وما يخص التجنيد والاتجار بالحروب، وزارة الدفاع تربطها عقود مع المؤسسات الاعلامية، وفيما يخص التحكم بالاخبار، ثمة مسؤولون في وزارة الدفاع الامريكية يتحكمون في نشرات الاخبار لوسائل الاعلام ، حيث تستخدم المخابرات التلاعب بالراي العام ، هناك جنرالات متقاعدون يعملون كمتحدثين رسمين لجميع الشبكات، ودون الكشف عن الشركات العسكرية التي يعملون لصالحها. عند المواجهة مع العراق ، مضت الولايات المتحدة الى الحرب متسلحة ب( إم.إس.إن. بي.سي) والخبراء، بكتابة تقارير، بمعنى أخر تم بيع الهجوم على العراق من قبل (جورج بوش) الابن وكذلك رئيس الوزراء البريطاني توني بلير من خلال نشر الاكاذيب ، بحيث كانت خطة الغزو مبنية على المبدأ العسكري “الصدمة و الترهيب”، والمصصمة لشل البلاد وتدمير البنى التحتية وموارد المياه و الغذاء ، وأن التاثيرات التدميرية التي اصابت العراق لاتقل عن تاثير القاء القنبلة الذرية على اليابان ، إنه ترويع للناس وتخويفهم على نطاق واسع ، ويتم تغليف كل ذالك عن طريق خداع الناس، قبل بداية الغزو على العراق، وعندها إنظم جيش من الصحفيين مع القوات الامريكية كجزء من جهود البنتاغون قبل شن الحرب على العراق، وكانت جميع التقارير التي ظهرت عن الحرب جاءت مطابقة للشروط والضوابط التي وضعها وزير الدفاع الامريكي والبنتاغون للصحفيين والأعلاميين المرافقين لدخول القوات الامريكية ، يقول ( برين ويتمان) وهو نائب وزير الدفاع الامريكي في حينها : “خلال دخول القوات الامريكية الى العراق كان هناك 700 صحفي ملحقين مع تشكيلاتنا العسكرية ، وهذا كان مهما لعدة اسباب ، أولا لاننا إننا سنحارب عدوا كان ماهرا نوعا ما بالتظليل ، وأيضاً بالمعلومات الخاطئة ،” وهذا برز في كل ما ينشر في الصحف و التي كانت 80 – 90 % ما يقرا في الصحف وينشر في الاعلام مستوحى رسميا مع سياسية البنتاغون، لانه لوكان العكس مثلا إنتقد جهاز المخابرات أو نشر حقيقة الحرب ، فسوف يخسرون مصادرهم ، ولو إنتقدوا وزارة الدفاع ، فسوف يغدو من الصعب الوصول الى وزارة الدفاع مرة أخرى، واظن أن بعض الصحفيين يريدون ان يصبحوا جزء من اللعبة بأرادتهم!!. مثلا أذيع في بداية الاحتلال ان مدينة البصرة احتلت اكثر من 17 مرة قبل سقوطها فعلا!. بالرغم ان الاعلام البريطاني كان يروج لرئيس الوزراء توني بلير بان حربه في العراق سوف تكون بيضاء و بلا دماء، في حين أن تلك الحرب قد تركت اكثر من (740000) إمراة أرملة وأضطرار حوالي 4.5 مليون شخص نازح تركوا منازلهم واصبحوا لاجئين وهم في بلدهم؟!!، وبسبب تلك الحرب حسب وثائق الامم المتحدة ، (إنها الحرب التي لاتراها) وتلك هي الحقيقة التي أغلفها الاعلام المضلل، كذالك تجاهل إستخدام الاسلحة الفتاكة إثناء تلك الحرب مثل استخدام ( أم القنابل) او صواريخ ( كروز) وكذالك قصف الطائرات اف 18 أو – اي 10 – او مايطلق عليها ( الخنزيرالبري) ، تلك هي الحرب التي لا تراها في العراق أو بالاحرى الحقيقة التي لاتراها في العراق؟، وبالنتيجة هي خسائر كبيرة في صفوف المدنيين من جراء احتلال هذا البلد.

 

About alzawraapaper

مدير الموقع