“الحرب التي لا تراها” تأريخ في تورط الصحافة ووسائل الإعلام الرئيسة في صناعة الحروب

كشفَ الفيلم في عام 2004 وخلال غزو قوات من” مشاة البحرية الامريكية ” المارينز” مدينة الفلوجة مرتين، والمرة الثانية كانت بصحبة القوات البريطانية، أنتشر الكابوس، ودمرت المدينة بالكامل بعد أن جعل الامريكيين من المدينة منطقة قصف عشوائي، أفادت الامم المتحدة في تقريرها بأن 70 % من المنازل دمرت وقتل الالاف من المواطنين الابرياء ، لم تعرض القنوات التلفزيونية الامريكية ولا البريطانية هذا الدمار ولا الصحافة كشفت حجم الخراب الذي لحق بالمدينة ، ولم يعرف المشاهد حجم المعاناة للناس العاديين، رغم انه هناك مصوريين ومخرجين شجعان حاولوا نقل الحقيقة ولكنهم لم يحصلوا على فرصة للعرض، وحينما دخل الصحفي الامريكي ( ظاهر جميل) الى الفلوجة بشكل مستقل ، كشف استخدام الامريكان للفسفور الابيض في االهجوم على المدنيين وتلك الشهادة لم تنشر في وسائل الاعلام الامريكي الرئيسة ، مما اضطر ألآلاف الى النزوح من مدينتهم تاركين منازلهم ومصادر رزقهم واللجوء الى باقي المحافظات!!، ومايزال الكثيرين غير قادرين بالعودة الى ديارهم. ماحدث في العراق جريمة كبرى لفداحة وفضاعة الخروقات الانسانية بحق المدنيين، إنها جريمة على نطاق واسع، وهذا يجعل الصحفي الغير نزيهه متواطئ مع قوات الاحتلال، هذه الحرب التي تم تدبيرها حصرا من اجل النفط وامتلاك موارد الشعوب، والسيطرة على موارد تلك البلدان، ونفس الشيء حدث مع القوات البريطانية التي انفضحت بحادثة ( بهاء موسى) وهو من اهالي البصرة، والتي أضيفت الي سجل الممارسات اللاأخلاقية التي قام بها جنود بريطانيين ضد سجناء عراقيين حيث وافقت وزارة الدفاع البريطانية علي تسوية مرضية واقفال ملف السجين بهاء موسي الذي توفي في اثناء الاعتقال بعد تعرضه لـ 93 جرحا وتوقف اعضائه الحيوية ومات مختنقا بسبب التعذيب عام 2003، اي بعد اشهر من تحرير البريطانيين لمدينة البصرة وسقوط نظام صدام حسين. ولذلك نشا مبدأ “التضمين” اي خلق صحافة واعلام ضمن جيوش الاحتلال وهم يقولون وينقلون وجهة النظر للقوات العسكرية الغازية ولذا انت لاتسمع ولا ترى وجهة النظر المعاكسة للمدنيين ، ولناخذ مثلا القوات البريطانية في العراق التي قامت بالكثير من الخروقات ، وقتلوا المئات من المدنيين في البصرة، حينما كانت المدينة تحت مسؤوليتهم، قاموا بالاعمال بالاعمال الاكثر وحشية حتى وصلت الى حد الاعتداءات الجنسية ، لكن الصحافة ( المضمنة) و التي تسير وفق سياسية العسكرية لم تكن قريبة من تلك الاحداث، ولم تكن قريبة من الضحايا في نقل معاناتهم ونقل قصة أولئك العراقيين وهذه هي” الحرب التي لا تراها” .
في حرب فيتنام، كان 70 % من مجموع الضحايا كانوا من المدنيين ، في حين حرب العراق ، وصل حساب المدنيين لاكثر من 90 % من كل الوفيات !!. رغم انهم يعرفون أن ميثاق الامم المتحدة و في بند من بنوده، حسب اتفاقية جنييف الرابعة لعام 1949، ينص على قتل المدنيين و التسبب المتعمد في معاناة كبيرة لهم هو جريمة حرب)، ورغم أن صور الجثث المرصوفة من جراء القصف أو الاشلاء المتتاثرة من المدنيين الضحايا، لكن المشاهد البريطاني أوالامريكي ليس لديهم إدراك حقيقي للاعمال الوحشية بهذا الشكل، اما عن سبب عدم اهتمام المشاهدين في تلك الدول لهذه المناظر المؤلمة، ربما لانهم يجهلون اسماءهم أوعددهم أو حتى ارقامهم لهؤلاء الضحايا، والسبب ربما – وهذا الشيء المهم – الاعلام المضلل قد وسم صورة الارهاب على وجوه الضحايا!، وبالتالي فهم لايبالون بالامر، انهم مجرد ارقام، سواءأ كانوا من العراقيين أوالافغان اوالفلسطينين. وأعتقد ان الصحافة والاعلام يحاول التقليل من تلك الجرائم و بهذا يتآمر على عقلية المشاهد عندما يقوم بالتقليل من أهمية المذابح التي حدثت في العراق وافغانستان، وهذا يتفق بما أسماه الكاتب والاكاديمي الامريكي الكبير( إد هيرمان)، بـ” ضحايا مهمة ، وضحايا غير مهمة” فالضحايا العراقيين غير مهمين، لذا يجب التقليل من شان وفاتهم، لذا لا يسلط عليهم الاعلام والصحافة الضوء، ولا يشار لها في الصحافة او التلفزيون البريطاني أو الامريكي لانهم “ضمنين “وهم أداوات لماكنة القتل ومن يريد ان يخرج من تلك الدائرة سوف يجابه بالرفض وعدم وجود مكان للنشر في الصحافة والاعلام الواقع تحت سيطرة “روبرت مردوخ” إمبراطور الإعلام الذي يتعامل مع الأحداث والأخبار في وسائل إعلامه كبضاعة يقوم بتسييسها وتسويقها لتحقيق التأثير السياسي والربح المادي في وقت واحد دون اعتبار للجانب الأخلاقي ، لذا فان الشعب البريطاني اوالامريكي لدية فكرة ضئيلة عن حجم الخسائر للمدنيين في تلك الحروب ، ونفس الشيء يحدث ، بحيث اذا وضعت أية صحيفة في تلك الدول توصيفا للاحتلال الاسرائيلي ، أو وجهت أي إنتقاد الى إسرائيل ، فهذا ينطوى على إشكالية ويسبب الصداع للصحيفة أوالصحفي، ويتهم ب”معاداة السامية”. اما امتيازات الصحفي الذي يتغاضى عن نقل الحقيقة ( الضمني) والذي ينقل وجهة النظر الحكومية فهي عديدة، مثل مرافقة المسؤوليين الحكوميين في زياراتهم أو سفراتهم ، أو تكون له الاولوية في إجراء اللقاءات الصحفية مع المسؤوليين والعسكريين.
كان صعود الرئيس باراك اوباما الى الحكم في عام 2008 احدى السمات المهمة في بداية القرن ال21 ، وكان شعار حملته الانتخابة ” التغيير يمكننا الايمان به” وهو العلامة التجارية التي قدمت شيئا خاصا ومختلفا في سيرك انتخابات الرئاسة الامريكية ، فهو انتخب في عام 2008 مسوقا من قبل كل من الشركات أبل، نايكي وشركة بيرة كورس، وجعل العديد من الناس يشعرون بالارتياح ومرتاحين لهذا التغير وكان معارضا للحرب وكان يعدها خطأّ ماساويا ، لكن ذلك كان إدعاءّ زائفاّ، بصفته كرئيس للولايات المتحدة الامريكية لم يقوم بسحب القوات الامريكية من العراق وافغانستان، ودعم العمليات العسكرية الامريكية في كل من العراق وافغانستان واليمن، ووافق على تخصيص ميزانية وقدرها 708 مليار دولار، وهو اكثر الرؤساء الذين قاضوا ولاحقوا الصحفيين الذي ارداو نقل الحقيقة والمعروفين باسم ( كاشفي الفساد)، مثل موقع “ويكيليكس” وهي منظمة من كاشفي الفساد على الانترنيت ، وهي مستقلة ولاتحمل جنسية وإنها تمثل نقطة تحول في الصحافة المستقلة ، اصدرت ويكيليكس مئات ألالاف من الوثائق السرية عن البنتاغون، والتي تصف قتل المدنيين بالجملة في العراق و افغانستان، ومنذ الكشف عن تلك المعلومات تعرض رئيس تحريرها ( جوليا اسانج) الى الاساءة والتشهير واتهامات باطلة مصدرها السويد والولايات المتحدة الامريكية، وحاولت الاستخبارات الامريكية تهديده بالملاحقة الجنائية ، جوليان أسانج هو صحفي وناشط ومبرمج أسترالي، أسس موقع ويكيليكس ويرأس تحريره، حاصل على العديد من الجوائز الصحافية والحقوقية منها جائزة من منظمة العفو الدولية في 2009 ومرشح لجائزة نوبل للسلام عام 2019 ، كان أسانج هاكر عندما كان مراهقا ، ثم مبرمج كمبيوتر قبل أن يصبح معروفا لعمله مع ويكيليكس، وجعل ظهوره العلني في جميع أنحاء العالم للتحدث عن حرية الصحافة والرقابة، والصحافة الاستقصائية، أصبحت ويكيليكس معروفة عالميا في عام 2010 عندما بدأ في نشر وثائق عسكرية ودبلوماسية عن الولايات المتحدة بمساعدة من شركائها في وسائل الإعلام، صدر بحقه أمر الاعتقال الأوروبي في استجابة لطلب الشرطة السويدية لاستجوابه فيما يتعلق بتحقيق في تهمة الاعتداء الجنسي، أعتقل أسانج في بريطانيا في 7 ديسمبر 2010 بموجب مذكرة توقيف دولية صادرة عن القضاء السويدي بتهمة اغتصاب وتحرش جنسي.
و قامت الولايات المتحدة بملاحقة وتهديد “جوليان أسانج ” رداً على نشر موقع ويكيليكس مذكرات دبلوماسية أمريكية سرية أثارت حرجاً للولايات المتحدة والعديد من الدول، حكم القضاء البريطاني بتسليمه إلى السويد في فبراير 2012، فقدم اعتراضاً إلى محكمة أخرى رفضته، فلجأ إلى المحكمة العليا للمملكة المتحدة، فحكمت في 30 مايو 2012 بتسليمه إلى السويد، وكان له الحق الطعن في هذا القرار أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. لكنه فضل عدم الرجوع إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ولجأ في 19 يونيو 2012 إلى سفارة الإكوادور في لندن وطلب اللجوء السياسي، بعد سبعة أعوام من اللجوء إلى سفارة الإكوادور في لندن، سحب رئيس الإكوادور لينين مورينو حق اللجوء من جوليان أسانج، مؤسس ويكيليكس، مما أتاح للشرطة البريطانية القبض عليه، وفي المحصلة يمكن القول أن النخبة البريطانية أوالامريكية لاتريد للجمهور أن يعرف حقيقة الحرب و ما يجري من خروقات وإنتهاكات لا انسانية وحتى انهم يعتقدون بانه ليس لهم الحق ان يطلعوا أو يعرفوا ما يجري وما يقومون به من أفعال ، لانهم على يقين بانه لو عرفوا او علموا بالحقيقة، لكان من الصعب عليهم المضي قدما في السياسات التي قد تشكل انتهاكا لحقوق الانسان أو تتضمن دعم الانظمة الديكتاتورية القمعية في العالم، لذالك هناك حملات اعلامية ودعائية تسبق أي تدخل في الخارج او شن الحرب لغرض إقناع الرأي العام بانهم يتصرفون لتحقيق أسمى النوايا النبيلة، ولكنهم في الحقيقة يتصرفون لحماية مصالح النخبة و السيطرة على النفظ و مصادر الطاقة ، لذا ثمن حرية الراي واستقلال الصحفي هو حياته، مثل الصحفي (تيري لويد) مراسل ال(أي. تي .أن) الذي أردي قتيلا في العراق من قبل مشاة البحرية الامريكية . ومنذ الغزو الامريكي على العراق، أكثر 300 من صحفي قتلوا ، وهذا الرقم أكثر من أي حرب أخرى. هذا الفيلم قدمه الكاتب و المخرج ” جون بيلجر” كان إجلالا و تقديرا للصحفين الذين قدموا حياتهم ثمنا لنشر الحقيقة ووصولها الى المشاهد. تم عرض الفيلم في 13 ديسمبر 2010 ، وتم بثه عبر قناة (أي. تي . في1) البريطانية في 14 ديسمبر من عام 2010 و بعد ذلك تم عرضه ، في أستراليا في 10 أبريل 2011. تم حظر هذا الفيلم في الولايات المتحدة الأمريكية.
“جون بيلجر” هو مراسل حرب حائز على العديد من الجوائز ومخرج سينمائي ومؤلف، من أول فيلم وثائقي عن حرب فيتنام تميز بمواقفه الجرئية و الشجاعة، له فلمان وثائقيان لمناصرة القصية الفلسطينة وهما بنفس العنوان ، وهو “فلسطين لا تزال القضية”. فيلمه”الحرب التي لا تراها” ليس استثناءً، إنه يشكك في دور وسائل الإعلام في التحضير للحروب في أفغانستان والعراق. كما أنه يشكك في التغطية التي نراها اليوم على إيران ويسأل عما إذا كانت هذه الأخطاء تتكرر. إنه فيلم رائع ومثالي ، وأؤكد لك شخصياً أن هذا هو الفيلم الأكثر إلهامًا واستفزازًا للفكر، وهو أيضًا الفيلم الأكثر إثارة للمشاعر والألم والخوف الذي ستشاهده على الإطلاق . “الحرب التي لا تراها ” هو بسهولة الفيلم الأكثر أهمية خلال السنوات العشر الماضية ، وأؤكد أن الفيلم الوثائقي الأكثر أهمية في كل العصور. لإن القضايا التي أثيرت في هذا الفيلم مهمة للغاية، إنه تاريخ من تورط الصحافة ووسائل الإعلام الرئيسة في صنع الحروب.

About alzawraapaper

مدير الموقع