“الجهبذ” أعلى هيئة رقابية في بغداد عام 927 م

طارق حرب

طارق حرب

تعددت اجهزة الرقابة الادارية ببغداد في العهد العباسي، إذ تم انشاء أجهزة ادارية متخصصة للقيام بمهام الرقابة الادارية مع استمرار وسائل الرقابة الذاتية والرئاسية، فلقد كان ديوان البريد والاخبار يأتي في مقدمة اجهزة الرقابة الادارية المتخصصة لاضطلاعه بمهمات المراقبة والاستخبار المتناهية الدقة والتنظيم، وعلى كل مرافق الدولة العباسية، فلقد كانت رقابته تشمل الولاة والقضاة وأصحاب الشرط والقادة العسكريين والمؤسسات المالية، وجهاز الرقابة الثاني هو ديوان النظر في المظالم في حالات تعدي الولاة على الرعية، ورد الغصوب السلطانية، والنظر في سجلات الدواوين، والنظام الرقابي الثالث هو الحسبة التي تقوم على اساس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للرقابة على المكاييل والاوزان والتعامل النقدي والصيارفة وعمليات البيع والشراء وغيرها، وهنالك الرقابة القضائية، وقد وجد في بغداد الدواوين المتعددة، منها بيت المال والخراج والدار والنفقات والضياع والمصادرات والازمن، وأخيراً ديوان الجهبذ.. واختص مجلس الجهبذ بمراقبة سير العمل في ديوان الخراج وتدقيقه لأن ايرادات الاقاليم ترد الى ديوان الخراج من خراج وجزية وزكاة وعشور واخماس، وبما ان مجلس الحساب كان يقوم بتنظيم هذه الاصناف وتحديد أقيامها بإعداد قوائم حسابية بكل صنف منها، فكان على مجلس الجهبذة ان يراقب هذه البيانات ويدققها من خلال دراسته للقوائم والكشوف الحسابية، وتولى مجلس الجهبذة السيطرة على الاموال والعينات الموجودة في الخزانة، والجهبذة مصطلح يعبر عن حرفة ووظيفة ترتبط بالامور المالية ذات الاختصاص الحسابي والمصرفي (نسبة الى المصروفات)، وعرفها آخرون انها مهنة معروفة في نقد الذهب، وان الجهبذ هو النقاد للذهب والفضة الذي يميز الدنانير والدراهم، فيحدد جيدها من رديئها، ويعرف بهرجها وزائفها من صحيحها، وتبسط البعض في تعريفه، فقال هو كاتب مختص بالامور الحسابية التي تتطلبها الادارة المالية للدولة برسم استخراج المال وقبضه، وكتب الوصولات به، فالجهابذة هم خبراء ماليون أسهموا في جمع الضرائب وتقويمها، وقد استخدمت هذه الوظيفة على نطاق واسع ببغداد في العهد العباسي ومارست مهاماً ادارية ومالية واعمالاً صيرفية، ويمكن تصنيف ما قدمه الجهابذة من مهام رقابية الى ثلاثة انواع، اولها رقابة فرعية ضمن نطاق الدواوين المختصة بالشؤون المالية، ورقابة مركزية اضطلع بها ديوان الجهبذة، ورقابة عليا ضمن هيئات تشكل لهذا الغرض وترتبط بمكتب الوزير، فالصنف الاول يتحقق من دور الجهابذة في الرقابة المالية ضمن حدود بيت المال من خلال اصدارهم للختمات الشهرية التي تصدر عادة بشكل متوال نهاية كل شهر، مثبتين فيها جميع المعاملات المالية الجارية في هذا الديوان والمتعلقة بالاموال الواردة، وما ينفق منها مع ذكر تفاصيل كل معاملة وكتابة الوصولات بجميع هذه الاموال المقبوضة والمصروفة، ثم اثبات ذلك في الختمات التي يتم حفظها بالديوان، ويروي لنا مسكويه ما حصل عام 315هـ 927 م زمن الخليفة المقتدر من اعادة التدقيق في سجلات الجهابذة لتبيان لمعرفة مصير مبلغما.
ويعمل ديوان الجهابذة في ديوان الخراج التي تبدأ بتقدير الضريبة بشكل دقيق، وهذا يتطلب الالمام بطرق الجباية، خاصة ان المعاملات متعددة الاشكال، فقد تكون نوعية المال نقودا او غلة وكشوفات الحسابات الجارية في الديوان على وفق تقارير مالية دورية، وكان لمسك الجهبذ للسجلات في هذا الديوان أثر في التوثيق والتدقيق، وفي سجلات البرات التي يقدمها الجهبذ لتأييد دفع المبلغ وفي سجلات الاشخاص الذين لهم علاقة بديوان الخراج كتثبيت الاراضي والمبالغ المتسلمة باعتبار الجهبذ المسؤول المالي عن الجبايات، وللجهبذ دور في سجل العريضة الشبية للتاريخ بتنظيم اصول الاموال والمستخرجة منها، وللجهابذة دور في ديوان النفقات بإعداد ختمات مثبتة فيها بيانات لفصول المبالغ المنفقة على المهمات التي تدخل ضمن اختصاص هذا المجلس.
وقد حصل تطور كبير في عمل الجهبذة ببغداد في عام 315 هـ زمن الخليفة العباسي المقتدر، إذ أصبح أعلى هيئة للرقابة للدولة العباسية ببغداد، وغدا ارتباطه بمكتب الوزير مباشرة، وذلك أثر تكليف الوزير علي بن عيسى صاحب ديوان الجهبذة، وهو الجهبذ ابراهيم بن أيوب بمهمة تدقيق اعمال صاحب بيت المال ومراقبته، والاشراف على كل التقارير المالية التي يرفعها صاحب بيت المال الى الوزير أسبوعياً بما تتضمنه من كشوف بالحسابات اليومية من الايرادات والنفقات، وبذلك خول هدا الجهبذ صلاحية اثبات أمر المال بحضرته، وفي موافقة صاحب بيت المال على ما ينفقه كل يوم من اموال ديوانه ومطالبته بالوصولات في كل اسبوع لمعرفة ما دخل بيت المال، واعلام الوزير بذلك اسبوعياً بدلاً مما كان موجودا سابقاً في رفع الختمات في النصف الثاني من كل شهر.

About alzawraapaper

مدير الموقع