الجزائر: من الذاكرة الوطنية… إلى النزوة التدميرية

حميد لعدايسية

حميد لعدايسية

العنوان ذا مخزون دلالي تاريخي اشعاعي لا ينضب، و هذه الطاقة الايحائية لا تظهر لنا الا من خلال دفع الشطر الأول من العنوان باتجاه الشطر الثاني ، و هو ما تفرضه الدلالات التاريخية الموقظة للهمم ، وضم الشطرين في مقال تحليلي ، وهو محاولة لتناول بعض القضايا المحرجة التي تحيط بأوضاعنا ، التي تكوكنت ، بعدما تصهينت ، و المقال منذ البداية لا يدعي لنفسه شمولية مفتقدة ، أو قدرة على الإلمام بالأضرار التي مست (الذاكرة الوطنية ) و طعنتها في صميمها ، وذلك في سياق أوضاع حية تريد أن تلغي هذه الذاكرة ، بل هو عاجز عن ذلك ، لأنه لن يستطيع أن يكتشف وحدة بين (الذاكرة الوطنية ) و(النزوة التدميرية ) التي تريد أن تدمر (الذاكرة الوطنية )، بل يهمه منذ بداية (نزوة التدمير) محاولة إلتقاط مجموعة من الطروحات ، انطلاقا من واقع الجزائر المرير و المفتوح على كل الاحتمالات المؤلمة ، ان لم نتسلح بيقظة مسترشدة تاريخيا ، نهدف من ورائها الى ايقاظ وعي هذا الشعب ، ونبعث فيه القدرة على الرفض، رفض اللا قيم و اللا تصور واللا تاريخ ، والتي من شأنها تريد أن تلغي الجزائر، و تلغي سيادتها الأرضية و الحضارية ، و قمع قدرتها على التحديات المبدعة و التفكير المستقل للخروج من (نزوة التدمير).
وتقف (جزائر العزة و الكرامة ؟!) كتجربة تاريخية مخادعة لاتزال تعيد فرز تناقضات مدمرة، حالت بيننا و بين ذاكرتنا الوطنية الموسومة بأكبر ملحمة قل مثيلها في العالم الإسلامي منذ سقوط الأندلس، و سقوط الخلافة العثمانية المدوي و المشظي للعالم الإسلامي ، لأن (جزائر العزة الكرامة ؟!) لم تتحقق ميدانيا ، وقد فهم السذج و المنتفعين من ريع هذا الشعار بحرفيته المدجنة من مخابر فرنسا الديغولية ، و بالطبع فالعزة لم تقع ، و الكرامات أهدرت ، و كانت نهاية هذا الشعار الدمار و الهلاك و الصهينة و الكوكنة وما خفي أعظم.
و لكن القصد من هذا الشعار هو الحرب على الذاكرة الوطنية ، وهذه الحرب لم تجر على أرض الواقع فقط بل كانت تجري في الذاكرة، كانت ذاكرتنا الوطنية تثقب بشعارات مسمومة كــ ( نحن أقرب إلى حضارة البحر الأبيض المتوسط ) و هو شعار ساركوزي وريث الجنرال ديغول ، ثم تفتت بالجهوية المميتة .
حرب الذاكرة التي تمحو الذاكرة ، و مع تهافت( نزوة التدمير) لم يصمد أي استحقاق تاريخي للجزائر العابث بها ، حيث كانت قيمنا الوطنية تنهار ، والمؤسسات تنهار و تاريخنا الملحمي ينهار، وكأن الدولة التي نص عليها البيان النوفمبري بجميع بنوده و اتجاهاته يحاول أن يتدارك الصيغ و القيم التي صنعت وسط انهاء الذاكرة الوطنية و تقويضها بذاكرة الشخص الواحد ، الذي أنهى الذاكرة الوطنية بتراكمات لعقدين مدججين بأسلحة مادية و معنوية و تحت الرعاية السامة للوبي الصهيوني في فرنسا التاريخية، هكذا تحولت الجزائر في ظل هذه الملابسات التي يصعب تجديدها الى منطقة جغرافية تسكنها حيوانات برؤوس بشر، وفيها حيرات وثروات يجب ان تبدد وتهرب الى الخارج وترشى بها المؤسسات الدولية لتسكت عما يحدث في هذا البلد.
وهكذا وطيلة عقدين من الزمن وضع الجيل أصابعه العشرة في شقوق الفجوة بين الشعارات و الوقائع، فسقط بريق (جزائر العزة والكرامة)؟! في اوحال (الذل و المهانة) و سقط وهج استرجاع سمعة الجزائر الدولية في امواج المتوسطية، وسقط بريق استرجاع هيبىة الدولة في براثين الثراء المحرم و التوحش المجنون في صنع الثروات الخيالية، وبذلك استبدل (امراء الموت بأمراء الفساد) وكلاهم متمم للآخر و يقومون بنفس المهمة لإخراج الامة من الدائرة الحضارية والتاريخية.
وكانت هذه الازدواجية هي الثغرة الواسعة التي سقط منها الايمان بالشعارات والمثل العليا الشائعة. واذا شئنا متابعة التغييرات الطارئة على المخيلة الجزائرية منذ عقدين هي – متوسط اعمار جيل المحنة الدموية- فإن شعار كسر الطابوهات هو نقطة البداية او تاريخ الميلاد المشؤوم لهذه الموجة المجنونة من الاحداث و الوقائع التي فاجات الجيل وهو يفتح عينيه لأول مرة وهو يحبو على الدماء التي اسالها (الاعراب) و (الاغراب)، ورأى جحيما من النيران تلتهم الجزائر تحت رايات متعددة الالوان ومزورة. ولم يفسر له احد كيف انا مزورة ورأى حربا تشن على لسانه وثوابته تحت رايات متوسطية زائفة، ول يفسر له احد كيف انها زائفة، ثم رأى غزوا غير مسلح من (التنصير و التطبيع)، ثم حربا على منظومته التربوية، تصطف فيها اجنحة المكر المتعددة الجنسيات و الاديان تحت رايات مختلفة الالوان و لا احد يفسر ما تخفيه الرايات و ما تحجبه الالوان.
وهكذا وجد الجيل الجديد نفسه في العراء المطلق بين المجازر الوحشية التي ارتكبها الاعراب و الاغراب وبين جحيم الازمة الاقتصادية الخانقة و الفراغ الفكري المخيف الذي احدثه كسر الطابوهات و الشمولية الراسخة وحرب على الاستحقاقات التاريخية للامة وتشويهها في الداخل بأوامر من الخارج. ومن هنا رأى ان الحوار المقطوع منذ عقدين من الزمن والذي افصحت عنه جزائر العزة والكرامة ليس هو الحوار بين سياسة مفروضة داخليا ومدعمة خارجيا وبقية التيارات المغلوبة على امرها، انما هو حوار الذاكرة الوطنية و الهوية على ضوء المستجدات العالمية، ذلك ان مختلف التيارات تحت وطأة الشمولية السافرة او المدمرة قد اغتالت الحوار الضروري بين هذه العناصر التي تشكل لحماية الديمقراطية بينما كانت المتغيرات المحلية المدعمة متوسطيا ما تزال تشكل المخيلة على نحو جديد، من شأنه الحذف والاضافة والتعديل في الذكرة الوطنية لتنسجم مع ذاكرة الشخص الواحد وتواكب النزوة التدميرية لترمل الجزائر تاريخيا. فالشمولية التي تسعى لمحو الذاكرة الوطنية ليست محشوة بالقمع المادي فقط وانما ايضا بذاكرة و هوية، وهي ذاكرة مثقوبة وهوية مشوشة صاغها في الاصل الاصيل الشمولية التي لم يواكبها الحوار و النقذ و الافصاح. ولقد عبر الروائي الجزائري وسيني لعرج في روايته الرائعة عن انهيار الذاكرة الوطنية التي عنوانها بـ (ذاكرة الماء) حيث حاور الروائي الذاكرة كقوة حيوية قادرة على الجمع بين المتناقضات، ولم شتات امة انهكتها الفتنة الدموية ودجنتها سياسة كسر الطابوهات لتتحول مظاهرها بتحول الزمن لكنها تبقي جوهر التصدع والانشقاق الممارس ميدانيا، واذا كانت شخصية( ذاكرة الماء) تحس بالخطر الذي يتهددها من الجماعات المسلحة المنسوخة بجماعات منسلخة فإن الشخصية التي تختفي وراء شخصيات الروائي هي شخصية الامة النوفمبرية التي يهددها خطر اكبر يتمثل في انهيار الامة حضاريا وتاريخيا، والوسيلة في ذلك هي الامواج العاتية لسياسة كسر الطابوهات، و النزوة التدميرية، التي تعشق الدمار، وتعشق انهاء الامة تاريخيا وحضاريا وهذا اكبر شاهد على ان التاريخ الحي الذي ندعوه بالذاكرة الوطنية يتعرض منذ عقدين للتبدد من الخيال وليس هذا الى مثالا من ما آلت اله الذكرة الوطنية من ضعف تحولت خلاله من جراء كسر الطابوهات الى تمزقات واسعة سقطت منها الجواهر التي صنعت المعدن الثمين لهذه الامة.
هذا هو حالنا وحركة الفساد تأججت والتهبت السنتها في البر والبحر وهذا اللهيب ان رجعنا الى رشدنا وتسلحنا بالوعي النفمبري الخلاق سيكون آخره انفراج، بعد ان يتآكل هذا الفساد ولكن آخر الليل النهار ولابد من اصرار شرفاء هذه الامة على استعادة روح الذاكرة الوطنية وسيادتها الحضارية الضائعة و انه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون.
هناك دائما في الافق فجر آخر، ربيع آخر، نوفمبر آخر، ولكن بين الحقيقة: وهي انه ليس اقصى من فترات الانتظار كالإرهاصات التاريخية المؤلم، انتظار الوعد انتظار الخلاص مع استمرار شدة المعاناة وقسوة الامتحان.
من ادلج فقد نجا ولابد لليل ان ينجلي ولا بد للقيد ان ينكسر هذه هي سنة التاريخ.هذه احكامه ومن لم يعشق الجزائر النوفمبرية ، ويضحي من اجلها تبخر في تاريخها واندثر، وكانت عليه لعنة الشهداء الى يوم الدين ووضعهم ابلغ من خاتمتي.

About alzawraapaper

مدير الموقع