الثقافة العراقية.. وشيوع منطق (الصدفة)

جمال جاسم امين
في البلدان التي يغيب فيها المنطق تماماً لتصبح فكرة (القانون) في أزمة .. البلدان التي تغيب فيها المؤسسات ذات التقاليد الراسخة والمعايير العلمية المبنية على أسس واضحة ومدروسة يسود (منطق الصدفة) ولعل تعبيرنا بهذا المركب اللفظي المتناقض في جوهره (منطق الصدفة) ينطوي على سخرية من نوع ما إذ ان الصدفة ذاتها بوصفها لحظة لا محسوبة تعد مفاجئة لحسابات وعقلانية المنطق .. إنها اللامنطق تماماً إن لم نقل هي عدوه الأول ولكنّ تكرارها / أقصد تكرار مفاجآتها اللاذعة هو الذي سوّغ لنا هذه التسمية لنجعلها قرينة بالمنطق أو بديلاً عنه كما ان هذا المنحى (الصدفوي) الذي يسود حياتنا يكشف عمق أزمتنا الثقافية / الأزمة المبنية أصلاً على غياب روح العلمية أو العقلانية ، هذه الروح التي أسهمت في بناء حضارة الأمم .
وهنا لا بدّ ان نتساءل : ما الذي يمكن ان تبنيه الصدفة ؟
الصدفة لا تبني / الصدفة تهدم لكن البعض من المتواطئين يروق لهم مثل هذا المناخ ليأخذوا ما ليس لهم في ظل فوضى المعايير وأزمة العقل الراجح .. ومن خلال هذا اللامنطق مرَّ (الأكاديميون الجدد) ومارس الإعلاميون وظائفهم المظللة وطبع الكتّاب الفاشلون كتبَهم في المطبعة الحكومية ( الوحيدة) !.
ولإيضاح هذه المسألة بصورة أفضل نأخذُ – مثلاً – تهافت الأدباء والكتّاب العراقيين على الاشتراك في المسابقات الأدبية (العربية تحديداً) والمسألة عموماً لا عيبَ فيها من حيث رغبة الكاتب في إيصال نتاجه لكنها تنطوي على اضطرار ما .. إن أغلب المشاركات لم تصدر من منطقة الاسترخاء أو الرغبة الهادئة في المشاركة بل تصدر من منطقة الاضطرار / الأزمة حيث يشعر الكاتب ان لا مجال لإصدار كتابه او تسويق نتاجه في بلده الذي تنعدم فيه الفرص مما يضطره الى البحث عن مفاجآت خارج حدود هذا البلد ؛ وجميعنا يعرف ان مثل هذا المسعى هو تعويل على منطق الصدفة .
أي ان الكاتب في سره يقول (لعلني أفوز فأنتشر) ولو كانت الفرص متاحة بيسر وإنصاف لقلت الحاجة الى التهافت على المسابقات الخارجية، فالذين فازوا أصابوا ( كبد ) الصدفة كما يقال ، وهناك أضعافهم من ينتظر دون ان يقلل ذلك من قيمة نتاجهم ، والذين طبعوا كتبهم في الداخل صادفوا من أعانهم على ذلك .. والذين نجوا من حبل المشنقة صادفوا من أرخى لهم هذا الحبل !!. بينما لم يجد الذين ماتوا يد الصدفة التي تنقذهم من كل ذلك. هذه هي المسألة باختصار …
بالصدفة نموت وبالصدفة نحيا .. ليس ثمة أحكام نحتكم إليها إنما هي محض صدف لا غير ..
كيف يحصل هذا ؟ يحصل في البلدان التي لا تسود فيها روح القانون / البلدان التي تعاني أزمة معايير ، وهي بلدان – للأسف – تطمر كفاءاتها أو تضطرهم للهجرة لأن أصحاب هذه الكفاءات الحقيقية تربّوا في أحضان العقل والعقلانية فلم يجيدوا ولم يحسنوا مطاردة الصدف واصطيادها بينما نجد من لا كفاءة له كفوءاً في مثل هذه المطاردة .. تحت ظل هذه السماء الداكنة ظلت مخطوطاتنا على الرفوف وأحلامنا منطفئة نلعق رمادها كلّ يوم ومن عجينة هذا الرماد صنعنا وساماً لأعداء الحقيقة / أعداء المنطق وأبطال الصدف بامتياز !.

About alzawraapaper

مدير الموقع