التظاهرات تجبر السياسيين على تغيير مواقفهم

يحيى الزيدي

يحيى الزيدي

الحديث عن التظاهرات في بلادنا، والتغيير في مواقف السياسيين، واسع ومتشعب، كما نراه اليوم.
منذ سنوات ينتظر العراقيون تغييراً حقيقياً واضحاً وملموساً على الأصعدة كافة، نتيجة للمعاناة التي يعيشونها، ولكي يشعروا بالأمان، ونعمة العيش في بلد من أغنى دول العالم.
الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية تحدث في أغلب البلدان، لكن الخروج منها يتطلب دراستها بشكل ممنهج ومهني، ومدروس من ذوي الاختصاص حصراً، من خلال وضع الحلول الناجعة والفورية حسب متطلبات وضع البلد .
إن ما يحدث في بلدنا الآن من خروج للمتظاهرين المحتجين في عدة محافظات، والتي راح ضحيتها مئات الشهداء وآلاف الجرحى، هي ثورة شبابية ضد الظلم والفساد المستشريين في البلاد، والتي تطالب بـ« بالإصلاح السياسي وتعديل الدستور، والقضاء على الفساد، وتقديم الفاسدين الى القضاء، وتوفير فرص العمل للخريجين والعاطلين عن العمل، وإلغاء المحاصصة وتوفير الخدمات»، وكل هذا يتطلب الوقوف بشكل جاد عند مطالب المتظاهرين، وتحقيقها بشكل ملموس ومدروس، وغير قابل للتسويف والتأخير، احتراماً لمشاعرهم، وللسيطرة على وضع البلد، ولن تنفع المناكفات السياسية، او الجهود الفردية، بل انها مسؤولية الجميع.
كما ان الحكومة مسؤولة بصورة مباشرة عن الحلول الناجعة التي من شأنها تهدئة الشارع العراقي، لا الحلول الترقيعية التي تزيد الوضع سوءاً، من خلال الجلوس مع المتظاهرين أو من يمثلهم، واتخاذ قرارات جريئة تصب في مصلحة البلد والشباب المحتجين الذين هم قادة المستقبل.
إن الإقالة لأي مسؤول، مهما كانت درجته الوظيفية، لا سيما إذا كان غير كفءٍ، أو مقصراً في عمله، ولم يستطع أن يقدم شيئا للمواطنين في الظرف الراهن، لا تعني شيئا أمام إراقة دماء المواطنين، سواء أكانوا من المتظاهرين أم من القوات الأمنية، فالجميع أبناء هذا البلد، وبالتالي قد يحدث إخلال بأمن البلاد.. فالبلاد لا تقف على شخص بعينه مهما كانت درجته ومنصبه، وهي مليئة بالكفاءات من ذوي الاختصاص، الذين يشار لهم بالبنان.
إن تغيير المواقف السياسية يتطلب حاليا الأخذ بنظر الاعتبار ما يجري في البلد، والوقوف ملياً عند مطالب المتظاهرين، ودراستها بشكل دقيق.
كما ان التغيير في أغلب البلدان يتطلب أحياناً تغيير الأشخاص، واستبدال المناصب، وتبديل الحقائب الوزارية، وتعديل الدستور، والتحقيق بملفات الفساد، والقضاء عليه، واحتواء الفشل، من أجل مصالح البلد، وهذه الخطوات حاليا باتت ضرورية في يومنا هذا.
في السابق لم يكن من المعتاد أن تتغير مواقف رجال السياسة بين ليلة وضحاها، وكذلك ليس من المعتاد أن يصدر موقف من إنسان، ويبقى ثابتا عليه لمدة طويلة.. وخلال معايشتنا ومشاهدتنا للكثير من المواقف السياسية في زمننا هذا، نجد ان تغيير المواقف السياسية لا بد أن يحصل كلما تطلب الأمر ذلك، وبشكل طبيعي، وفي بعض الاحيان يكون فجائيا.. وبالتأكيد ان هذا التغيير لم يحدث دون وجود أسباب حقيقية وجوهرية.
أقول: المواقف السياسية قد تتغير بناءً على معطيات الوضع، لكننا يجب أن نقف قليلا عند المبادئ، ويجب ألّا نخلط بين المبادئ والمواقف السياسية، ففي الكثير من الأحيان يجري الخلط بينهما.
وتعد المبادئ من المنطلقات الفكرية والأخلاقية الأساسية المنسجمة مع منظومة القيم الراسخة، التي يؤمن بها الإنسان، والتي عادة ما تميل إلى الثبات. أما المواقف السياسية، فهي آنية، تكتيكية، وليدة الحدث، يتم تبنيها على وفق قراءة معينة وتقدير الموقف، وبناءً على حسابات المصالح – أو هكذا يُفترض – والتي عادة ما تميل إلى التغير والتبدل بحسب تغير المعطيات أو اختلاف الرؤى والتوجهات.
التغيير في المبادئ مذموم، إلا أن يكون على وفق مراجعات فكرية معينة، لإعادة صياغتها وتحسينها وتطويرها وفقا لمقتضيات الزمان والمكان والحال.
والمشكلة في هذا السياق تكمن في احتساب العديد من المواقف السياسية على أنها مبادئ، نتيجة المبالغة في النفخ والتعبئة والتنظير، لذلك تحدث ارتباكات، وربما تصدعات عندما يطرأ تغيير في المواقف، لأنه تم رفعها لمرتبة المبادئ.
المبادئ لا تتغير، وإنما تتغير الأفكار المبنية على هذه المبادئ، بما تفرضه قوانين وظروف العصر.
وفي الختام: التغيير من صنع البشر، وما علينا إلا أن نفكر بما يخدم بلدنا، ويحقن الدماء فيه، ويفوت الفرصة على المتربصين به، ونضع مصلحة البلد وسمعته فوق الجميع، ونركن المصالح والمنافع الشخصية الضيقة جانبا.

About alzawraapaper

مدير الموقع