التطبيع بلا سياق

حمزة مصطفى

المفردة عند عبد القاهر الجرجاني محكومة بالسياق الذي يسميه “النظم”.. فأية كلمة قد لا تحمل معنى محددا ما لم يتم رصفها في جملة، فتفهم ضمن سياق تلك الجملة.. وطالما أثير جدل في اللغة سياقا وخطابا أو على صعيد المفردات من حيث الدوال والمدلولات منذ زمن الجرجاني الى زمن سوسير ونعوم جومسكي وتلامذتهما.. قد تكون المفردة الوحيدة التي لا تحتاج الى سياق أو دال ومدلول هي “التطبيع” التي عاصرها جيلنا منذ زيارة الرئيس المصري الأسبق، أنور السادات، الى تل أبيب، ومن بعدها تابعتها الأجيال التالية بدءا من إتفاقية أوسلو عام 1993 بين الفلسطينيين والإسرائيليين الى وادي عربة عام 1994 بين الإسرائيليين والأردنيين الى الإتفاقية التي وقعت أمس (2020)، ودائما في البيت الأبيض، بين الإمارات العربية المتحدة والبحرين من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى.
لو عدنا الى الفوارق الزمنية بين ما جرى وما يجري وما سوف يجري في قادم الأيام وقابلها، حيث نكون في أشد الحاجة الى السياق حتى نعرف دلالات ومدلولات الناظم والمنظوم، فإنها لصالح مفهوم التطبيع الذي لم يعد يعني في اللغة سوى التنازل.. فإسرائيل، ومنذ عام 1948، وهو تاريخ إعلانها دولة “دويلة بكيفكم” أو “الكيان الصهيوني”، لم تتنازل، بل تتوسع وتقضم.. التطبيع، ولأنه بلا سياق ولا يحتاج الى أية مصفوفة لغوية حتى نفهمه في ضوئها، لا يعني سوى التنازل لصالح الدويلة أو الكيان الصهيوني.
أريد أن أشحن ذاكرة أبناء جيلي ممن لا يزال بعض منهم يتذكر مؤتمر قمة الخرطوم عام 1967 بعد الهزيمة التي خففناها الى النكسة، حيث خرج بثلاث مفردات نارية، وهي “لا صلح، لا إعتراف، لا تفاوض” مع الدويلة أو الكيان الصهيوني.. بعد هذه اللاءات الثلاث التي قادتها مصر جمال عبد الناصر بعشر سنوات، فاجأ السادات إسرائيل (الدويلة أو الكيان الصهيوني) لمن يشاء قبل أي أحد آخر في المعمورة حين أبدى رغبته في زيارتها، منهيا بذلك اللاءات الثلاث، وبادئا مرحلة التطبيع التي لم تتوقف حتى اليوم.
ففي عام 1993 أوسلو وبعده بسنة 1994 وادي عربة، واليوم لا نعرف حتى الآن المصطلح الذي سيحمله التطبيع الأخير (2020).. الفارق بين 1967 و2020 هو 53 سنة، والفارق بين 1977 و1993 هو 16 سنة. أما الفارق بين 1993 واليوم فهو 27 سنة.. الترجمة الحرفية لهذه الفوارق الزمنية تتمثل في مفردتين، وهما القضم مقابل التطبيع.. بمعنى أن إسرائيل (الكيان أو الدويلة براحتكم) تقضم والعرب يطبعون.. لماذا؟ لأن العرب والمسلمين ليسوا موحدين حيال النظر الى القضية الفلسطينية.. وعلينا أن لا نغفل محطة أخرى مهمة على صعيد القضية الفلسطينية، وهي مبادرة السلام العربية في قمة بيروت عام 2002 التي تقوم على أساس حل الدولتين، وهو المصطلح الذي شاع فيما بعد ولا يزال شائعا حتى الآن برغم فقدانه كل دالاته ومدلولاته بعد نقل سفارة واشنطن الى القدس وصفقة القرن.
عبر كل هذه التحولات الزمنية كل شيء تغير لغة وأسلوبا على صعد الإستخدام والتوظيف، إلا مفردة واحدة بقيت مثلما هي، وهي التطبيع، لأن العرب والمسلمين لم يفرقوا بين.. الدولمة ورأس الجسر.

About alzawraapaper

مدير الموقع