التسويف ومخاطر الإنزلاق نحو العنف المتبادل

عباس علي العلي

في مثل الأزمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يمر بها العراق الآن لا بد من إدارة وإرادة سياسية مسؤولة تتولى زمام قيادة هذه المرحلة والعبور إلى الشاطئ الآخر بأقل ما يمكن من الخسائر، فليس من مصلحة أحد (من غير الفاسدين والذين لا يحملون النفس الوطني وروح التحضر والإنسانية) أن ينزلق الوضع العام نحو العنف والعنف المتبادل، لكن وقائع الأرض تشير إلى أن غالبية المتحكمين بالشأن السياسي سواء من الطبقة السياسية الحاكمة وغيرهم، غير مبالين بهذا المنزلق الخطير، بل هم من يدفعون بقوه نحو ذلك أملا في جولة جديدة من تصفية الحسابات مع القوى المنتفضة والتي أغلبها شباب لا يملك إلا المعاناة وحب الوطن.
قد يظن البعض أن مجرد خروج الشعب للشارع وإعلان موقفه ورفضه للواقع السياسي كفيل بأن يدفع القوى الحاكمة للتحرك نحو الإصلاح، وهذا ما تم فعلا خلال السنين الماضية وبأكثر من مناسبة ابتدأ من شتاء 2011 إلى تموز 2018، وقد برع المتسلطون على مقاليد الحكم والسلطة في التسويف والخداع والمماطلة، حتى تولد لديهم اليقين التام بأنهم قادرون على اللعب في كل مرة على نفس الوتر، ويستجيبون ظاهريا لبعض المطالب بإصلاحات شكلية سرعان ما يتم الالتفاف عليها بصورة قانونية والجهة الفاعلة ما زالت موجودة وتقرر ذلك بأي وقت.
هذه المرة ومع تفجر التظاهرات والاحتجاجات في الأول من تشرين الأول عام 2019 لعبت القوى السياسية والسلطة التي تهيمن هي عليها ذات اللعبة المعتادة، وحاولت أولا التشكيك بها وبأهدافها وأن ورائها أجندات ومن يدعمها سفارات والخ من التهم، لكنها لم ولن تجد أذنا صاغية لها ولم يستجب أحد لترهاتها، مما حدا بها أن تنزل بقواها القمعية ظاهرة ومتخفية وبعناوين كثيرة لتجابه ثورة الشعب المنتفض بسيل من الضحايا، وكأنها تجابه عدوا شرسا مدججا بأحدث الأسلحة والتقنيات، ومع كل ذلك لم تفلح أن تسكت هذا الصوت الهادر ولم تنجح في فرض إرادتها.
لذا لم تجد بدا من إعلان نفسها حكومة إصلاح وأنها مع التغيير وقدمت جملة من الإجراءات البعيدة كل البعد عن روح وجوهر الاحتجاجات وطلبات الشارع العراقي، وهي تعلم تماما أن هذه الحلول كلها لا تنتج حلا للمعضلة التي خرج بسببها الملايين من شعب العراق، وتعلم أيضا أنه بمجرد عودة المحتجين إلى بيوتهم ستنهض المحكمة الاتحادية بدورها بإبطال كل الإجراءات المتخذة، كونها تخالف الدستور ولا بد من عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الأول من تشرين الأول.
المفاجأة هذه المرة أن المتظاهرين عرفوا مقدما ما يحاك لهم وعرفوا أن سر فشلهم في المرات السابقة يعود بالأساس إلى نقطتين وهما:
• تدخل وركوب الموجة من قبل تيارات وأحزاب هي جزء من عملية فساد السلطة، وبالتالي ولكي يكون الحراك الشعبي عراقيا بكل منطلقاته وعناوينه وأدواته، رفعوا شعار (لا تركب الموجة) وحصنوا صوتهم من كل ما يمت للعملية السياسية المدانة من قبلهم من أي خرق أو مشاركة تخلط الأوراق.
• ثقتهم بالسلطة في المرات السابقة وبوعودها كانت تذهب بجهودهم وحراكهم، لذا عليهم في هذه المرة أن لا يثقوا بأي كلام أو وعد أو إجراء، طالما أن النظام في كل مرة يعود ليلحس ما قاله ويتناسى أن السلطة عندما تفقد ثقة شعبها فإنها بالأحرى فقدت مشروعيتها وفرص بقائها.
هذا التقاطع بين صوت الحراك والسلطة وأطرافها وكل ما يمت لها بصلة حصن الانتفاضة من أن تخدع أو تصادر إرادتها وقرارها لتجير لمصلحة جهة أو عنوان ما، فمن الضروري جدا أن يعي شباب الثورة وهم في خضم هذا الصراع أن يبتعدوا جدا عن المجاملة أو منح الفرص للسلطة كي تلتقط الأنفاس، لتعاود مشوارها السابق وكأنها لا تعي أن هذا الشعب حين يقرر ويقدم الضحايا وبإصرار قوي، إنما يناضل من أجل وجوده وحريته وكرامته، ولا يصح أن نساير رغبات هذه الجهة أو تلك طالما أنها تقر بالفساد والخراب والفشل، ولكنها تحاول أن تحافظ على البنيان الذي أسسته ورعته تحت ذرائع وتبريرات مختلفة، لأنه وإن كان في الكثير منه لا يصح لها ولا يصلح أن ينتسب لها، ولكن المصالح والخطط البعيدة تعيدهم مرة أخرى للتحالف والتكاتف في وجه الشعب وتطلعاته.
التسويف والمماطلة وحتى اللعب على عامل الزمن وتداعيات طول فترة الاحتجاج وظهور أصوات متذمرة من الفوضى التي يشيعها النظام، أدوات رئيسية في تفكير السياسي العالي يظن أنها تمنحه القوة والمطاولة، في الجانب الآخر يظهر المحتجون مزيدا من الإصرار والثبات في مواقعهم وهم يعلمون حقيقة واحدة، إن الزمن له استحقاقات وأن المنازلة ليست بالهينة وعليهم أن يتكيفوا ويجددوا من أساليب الاحتجاج والتظاهر، وهذا ما يزيد زخم الحراك ويعطيه قوة أمام أساليب السلطة وأدواتها القذرة.
لقد تحمل المتظاهرون والمحتجون كل أشكال القمع والتقتيل والخطف والتغييب القسري من أجل المحافظة على سلمية الحراك وتنظيمه، لكن السلطة والقوى القمعية المساندة لها تتحين كل فرصة هدوء لتخلط الأوراق وتجابه المحتجين بسيل من قذائف الدخان المسيل للدموع مصحوبا برمي بالرصاص الحي، لتدفع الشباب المنتفض إلى ردة فعل قد تنشب عنفا مضادا تتحين السلطة لحدوثه وتتمنى ذلك، كي تجعل من هذا العنف والعنف المضاد ذريعتها وما يسبب من خسائر وأضرار لتنهي كل الاحتجاجات، بعنوان المحافظة على الأمن والنظام العام وخوفا من أن تتطور الأمور، لقد كان الحراك أكثر ذكاء من تفكير السلطة وأدق في التعاطي مع الواقع، فلم يمنحوهم الفرصة ولم ينخرطوا به وهم يعلمون الكمين المنصوب لهم، رغم أن السواد الأعظم منهم شباب لا تتجاوز أعمارهم الخمسة والعشرين عاما وما يحمل هذا العمر من نزق وحماس.
إن غياب الرؤية والتخبط الحكومي والانقسامات والتناحر بين كتلها وخاصة في طريقة مواجهة الشارع وأصوات الاحتجاج، أعطى الفرصة للأصوات المتشددة وما يمثلونه من امتداد إقليمي يتدخل في الشأن العراقي الخاص، هو الخطر الأكبر والأكيد على الوضع العام وسيرورة الحدث الأمني والمطلبي، وهذا ما يزيد من احتمالات ومخاطر الإنزلاق نحو العنف المتبادل، والوقائع على الأرض تثبت ذلك وحتى التصريحات الحكومية التي تردد مصطلحات غبية في التعامل مع ردود فعلها، مثل الطرف الثالث والمجهولين والقوى اللا مسؤولة وغيرها، تؤكد عجز الحكومة وفشلها في التعاطي مع الأزمة ومسبباتها وفق رؤية عقلانية مسؤولة.
إن مسؤولية المحتجين والمنظمين والشباب اليوم أكبر وأعظم في حماية الدولة ومؤسساتها من عبث أزلام وقوى السلطة الخفية، وعليهم أن يقدموا النموذج الوطني القادر على التعامل مع الأحداث بحكمة وعقلانية تفوت على أعداء العراق أي فرصة لمزيد من التخريب والعبث بالأمن المجتمعي، وأظن أن هذه الفكرة ليست بالخافية أو الغائبة عنهم ولكن مع اشتداد المواجهة لا بد أن يكون للعقل السياسي الحراكي دور مهم في توجيه مجريات الأحداث حتى لو أدى ذلك إلى بعض التراجع أو التقهقر، وهي بالتأكيد حالة مؤقتة لا يمكن لها أن تستمر طالما أن هناك إرادة تحدٍ وإصرار على تحقيق أهداف الانتفاضة والنصر الناجز.

About alzawraapaper

مدير الموقع