(التداخل النصي في رواية لماذا تكرهين ريماك )

حوراء شهيد حسين
أودع الروائي الراحل( محمد علوان جبر) ثيمة روايته لدى العنوان الذي اختاره لها فكان أولى بؤر الإشعاع الذي أسس السمت الدلالي للرواية فبتلك البنية اللغوية ( لماذا تكرهين ريمارك )، استثمر الروائي طاقة اللغة ،واستشرف آفاقها الثقافية، في تكوين طاقة إيحائية تساهم فهم كنه الرواية وبناء هويتها ، ففي تفكيك العنوان نجده يتكون من ثلاث كلمات: ( لماذا ) ( تكرهين ) ( ريمارك )، وبهذه الكلمات ينفتح وعي التأويل على معطيات التشكيل اللساني في ( لماذا ) ووظيفتها الدلالية البحث عن السبب ، فكأن الدال اللساني يشاء لنا البوح بأنكم على موعد مع شخصيات هائمة باحثة عن أسبابٍ ومسببات ، أما الكلمة الثانية ( تكرهين ) التي إنبنت نحويا على صيغة فعلية لمخاطبة أنثى لتشي عن كره متجدد ممتد على جسد الراوية، أما الكلمة الأهم التي تؤول إليها علاقات التركيب اللساني فهي ( ريمارك ) إذ يجد القارئ نفسه أمام شخصية روائية غربية ابتعثها المؤلف ،وتقنع بها في أول ظهور علاماتي لنصه الروائي إنه (إريك ماريا ريمارك ) الروائي والسيناريست الألماني الذي ولد في 22 يونيو 1898 ، والذي يثير دهشة القارئ لماذا اختاره الروائي الراحل «محمد علوان جبر» ليكون عنوانا لروايته هل لأمر فني جمالي اذ إنَّ الروائي المذكور من الكتاب الأكثر شهرة ،والأكثر قراءة على نطاق واسع من الأدب الألماني في القرن العشرين ، أو لأمر يتعلق بنتاجات ذلك الروائي الغربي ولا سيما «للموت وقت .. للحب وقت» التي لم تخرج عن موضوع الحرب وأهوالها. وتأسيسا على ذلك أتم العنوان مهمته في قدح الشرارة الأولى في ذهن المتلقي قصد إثارة عنايته بالعمل ، لتأتي الإشارة الذي تجسدت بمقطع لقصيدة ( توماس إليوت) في رواية «الساعة الخامسة والعشرون» لـ( كونستانس جيورجيو) ليتم ما انتهى به العنوان، ويتولى مهمة تحويل تلك الشرارة قبسا تستنير به خطى القارئ ،وهو يشرع في رحلة التخييل التي اجترحها الروائي حينما حول مدلولات ذهنية وواقعية إلى دالات لغوية ليبني عالما خاصا هو عالم النص ،ومن ثم يثير ويوحي ويستفز ويدفع إلى متابعة القراءة بشغف وفضول ؛لإستنكاه ما انطوت عليه الرواية من علاقات مرجعية مع مركبات من التمثيلات الروائية المتمثلة برواية» للموت وقت … للحب وقت»، وهي سابع رواية لـ(ريمارك) صدرت عام 1954م التي قدم فيها مشهدا مروعا عن الحرب والحياة في بعض أشكالها أبان الحرب العالمية الثانية محاولا أنْ يعالج ذلك كله بالحب ، وشعرية إليوت الواقعية المعبرة عن الطبيعة البشرية الباحثة عن عوالم أخرى بعيدة في رواية تتحدث عن صعوبة الحفاظ على الأمل ، وهي (رواية الساعة الخامسة والعشرون) ،وهكذا وجدت هذه الدوال مندمجة منذ بداية تكوين الرواية ،وبشكل كلي داخل العالم اللغوي لها ، فإذا تتبعنا عملية التوالد والتنامي التي يقوم بها العنوان والإشارة ،وهما يمارسان فاعليتهما بطاقتها القصوى ، سنلتقط لفظة أو ألفاظا تعود بنا إلى حقله الدلالي من دون عناء يذكر :
ــ رابطا كل حديث بروايات جميلة قرأتها فتركت أثرا في نفسي : ( قرأت رواية للحب وقت .. للموت وقت .. ) كاتبها إريك ريمارك أدان الحرب من خلال الحب .. الحب يا هالة يصنع المعجزات ) آنذاك طلبت أن أعيرها هذه الرواية ففرحت كثيرا …. حدثتها عن الحب….وفيما بعد بإسهاب عن ريمارك مخصصا ساعات لسيرته الحياتية وسير شخصيات رواياته الكبيرة : كل شيء هادئ في الجبهة الغربية ، ليلة لشبونة ، للحب وقت .. للموت وقت .. .. انحازت جدا إلى الحب في ليلة لشبونة وقالت لي ريماك عاشق كبير سحقته الحرب ….
ــ(… تناول كل شخصية بكل ما عاشته من حكايات حب أو حكايات حرب .. تفاصيل الحب والحرب والكراهية .. تفاصيل الحياة الضاجة التي تطل من عيون أطفأها الحزن .. فتتحول لتفاصيل معجونة بحبر ودم وضجيج ذاكرة .. )
ــ ( سميرتي … كان يا ما كان كان لدينا دكتاتور يتدلى من وسط حزامه مسدس ، مشدود بإحكام … تركبه دائما موجات من الأفكار التي يسميها نبوءات ، أول نبوءاته البحث ليلا ونهارا عن أعداء ، إذا لم يجدهم يخلقهم كي يحاربهم .. فبدأ بتصفية اليسار في بلدي .. فتشتت في المنافي الكبار والصغار .. ومن نبوءاته القاتلة كانت تلك القذيفة التي أطلقها على أحد الجيران ، القذيفة التي أشعلت أطول حرب بعد الحرب العالمية الثانية .. وأصفها بالقاتلة لأننا ما زلنا إلى يومنا هذا ندفع ثمن تلك الرغبة المجنونة والقذيفة المجنونة ، دماء ووطنا مخربا . ثم تواصلت نبوءاته في حروبه الأخرى ، حارب الجميع ، حتى حل يوم دنست فيه مدننا دبابات أمريكية ، فسقط بسرعة البرق وذاب بعيدا لينتهي كل شيء …) .
ـ حروب تطحن الجميع إلا الرئيس ، إنه في العالم الثالث الذي أعقب السقوط المدوي للسلطة ، العام الذي اضطرب فيه كل شيء بعدها دخل الوطن حربا مختلفة عن سابقتها ، بدأت بفتنة لا نهاية لها ، تذكيها بقسوتها وصلافتها وقدرتها على إحراق كل شيء…..
ـ قريبا من معسكرات مشتركة أمريكية وعراقية ، مرت أرتال من دبابات أبرامز قريبا مني فلمحت بوضوح تحت ضوء إنارة الشارع وجوه الأمريكان كأنها وجوه شمعية …. يحملون أسلحتهم ويقفون بعنجهية كالتماثيل خلف الرشاشات المنصوبة في أعلى آلياتهم .. لم أجد سيارة أو سيارة أسعاف دون أن تنصب عليها الرشاشات ، ينظرون إلى كل شيء بريبة وتحفز …
ـ أيتها الوحدة المتعالية الكامنة في صمت المزارع ، أيتها المتسللة وأنت تلهثين بعيدا عن فانوس في الظلمة ، أيتها المطهرة بالاضطراب ، اخترقي جسدي برفق أقل قسوة من اختراق الطائرات لفضاءات ليل بغداد ، لا أملك أجوبة لأسئلة الليل الذي يطحن مدينتي في سماء مغمسة بالدخان المسود المتصاعد من الانفجارات ….
ــ جبت شوارع بغداد قبل أن أصعد مع سيارتي إلى السماء وسط غيمة من الدخان والنار والبارود .. احترقت السيارة تماما ، لكني وجدت نفسي ، على قارعة الطريق أنزف ، لا أعرف من أين ، مغطى بالماء . حاولت أن أنهض ، لكني لم أستطع . سقطت حيث مكاني محدقا في النار المتصاعدة من حولي .. نار حقيقية بدأت تقترب مني وأنا لا أقوى على النهوض .. أردت أن أزحف بعيدا عنها .. لكنها كانت تقترب مني بسرعة ، ضربت الأرض لأبتعد ، لكني فشلت في تحريك جسدي فاستكنت بانتظار النار وهي تقترب من .. النار المتوهجة والروائح الحادة لأشياء تحترق .. ربما هم بشر مثلي يحاولون الهرب منها لكنها تتحرك نحوهم … تحترق بها أجسادهم فتسبب روائحها غيوما داكنة سوداء…
وتأسيسا على ذلك نلحظ أنَّ العالم الروائي لرواية ( لماذا تكرهين ريمارك ) تداخلت فيه ثلاثة عوالم سابقة ،وهذا التداخل ساعد على تمويه المعنى وتحويله نحو قابلية الرواية للتدليل واحتمالية القراءات التالية :
ـــ عقد موازنة بين أنظمة سياسية في عصرين مختلفين حول قضية واحدة بوساطة التركيز على الكم والنوع فالنظام السياسي الذي حكم العراق في فترة زمنية محددة ،وما مارسه من شتى أنواع القتل والتنكيل وإقحام شعبه في حروب كانت بمثابة بداية النهاية لإعمال قتل جديدة فاق ذلك أكثر الحروب دموية في التأريخ البشري المتمثل بالحرب العالمية الثانية.
ـ الدلالة غير المباشرة على أن الحرب العالمية الثانية انتهت في الجانب الغربي ،وابتدأت في الجانب العربي عبر بزوغ الولايات المتحدة الأمريكية بصفة دولة عظمى تمارس الإرهاب والترويع بحق شعوب شتى، وهي بذلك تتنصل من وعودها بعدم خوض صراعات وحروب مستقبلية (… صدقني أن وجودي في هذا المكان النائي ليس مصادفة ربما هي المشيئة الإلهية … اذا لم أنجُ … عليك أنْ تعلن ما سأقوله من معلومات .. لكن لا تذكر أسمك أو عنوانك لانهم إذا عرفوك لن يتركوك إلا جثة هامدة …صُدموا حينما واجهتهم بالأخطاء الكبيرة ، أخطاء جيش جرار يسير بكل معداته الثقيلة وجبروته وغطرسته على جثث الناس ، يدمر كل ما يمت إلى الحياة بصلة ، يسير ولا يهمه الدم والصراخ ، بسببهم لم تعد هناك مدينة آمنة في العالم ، كل ما يؤدي إلى الخراب حمله الأمريكان …) وفي ذلك أيضا كشف زيف وادعاء أمريكا كونها الراعي الأول لحقوق الأنسان لكن واقع الحال يحكي أنها من الدول الأكثر انتهاكا لحقوق البشر.
ـ عبثية البحث عن الحرية خارج أسوار الوطن فالإنسان يبقى أسير حياته وذكرياته في بلده مهما ابتعد ومهما حصل على مقومات الحياة الكريمة ، كما وأنَّ الحب لا يمكنه أن يعالج آثار الحروب والاغتراب ( كم حاولت تجنيبه الخوض في ماضيه دون أن أفلح حيث تثيره التفاصيل كثيرا ليعود إلى وطنه ) فيعود برهان من حيث جاء حتى بعد استقرار محبوبته الأولى (هالة) في بيروت.

About alzawraapaper

مدير الموقع