التجديد والجذور

هادي حسن حمودي
تنشغل الأوساط الأدبية خاصة، والثقافية عامة، بالجديد في الشعر والقصة والرواية وغيرها من فنون التعبير عن الأفكار.
ويتناول معظم النقاد العرب، عموما، هذا الموضوع بإحدى زاويتين حادّتين، إمّا رفض الجديد رفضا كليا، وإما الإذعان له بما لا يقبل جدلا. من غير أن يهتم أيّ من الطرفين بتغليب الموضوعية على التعالي والذاتية المفرطة في (نرجسيتها) المقرفة، وذلك لافتقاد المهاد العلمي الذي يجب أن يرتكز عليه الموقف النقدي الذي يُراد التعبير عنه. حتى أن بعض النائمين في موروث الأزمنة الماضية شنوا غارات عبس وذبيان على هذا الجديد لا لشيء إلا لأنه جديد.
وفي المقابل ذهب الغفاة على شعارات أدعياء التجديد إلى إطلاق النار على كل ما هو قديم، لا لشيء إلا لأنه قديم. وتجاهل الطرفان أن القديم والجديد لا يتحاربان، بل يتكاملان، أو هذا ما يجب أن تكون عليه العلاقة بينهما.
وهذه المشكلة، في حقيقتها، ليست جديدة، بل شهد تراثنا صورا عديدة منها. ولو كان تراثيونا المعاصرون قد فهموا التراث حق فهمه لأفادوا كثيرا من دروس التاريخ، بدلا من نسخ التراث ومسخه وتجميده.
ولو كان غفاة العصر الحديث قد فهموا التجديد الذي أخذت به الثقافات الأخرى وأصوله لقدموا نفعا عظيما لأنفسهم ولثقافاتهم الوطنية، بدلا من هذه النصوص المتراكمة على صفحات الوهم من غير نفع، ولا تجديد حقيقي، بل ومن غير جمال، لا بمفهومه الفلسفي ولا بمفهومه الفني.
في القرن الرابع للهجرة العاشر للميلاد كتب الشيخ اللغوي أحمد بن فارس داعيا إلى الأخذ بالجديد إن كان في إطار العلم والفن قائلا: … ولو اقتصر الناس على كُتُب القدماء لضاع علم كثير ولذهبَ أدب غزير ثم ذكر أمثلة منها قوله: وبقزوين رجل يُعرف بابن الرياشي القزوينِي نظر إلى واحد من رجالاتها من أهل طبرستان مقبلا، عليه عمامة سوداء، وطيلسان أزرق، وقميص شديد البياض، وخُفّ أحمر. وهو، مع ذلك كله، قصير. على حمار أبلق، هزيل الخلق، طويل الحلق، فقال حين نظره:
وقادم جاء على أبلقِ
كعقعقٍ جاء على لقلقِ
فابن فارس هنا يطلب من الأدب صدقه الواقعي المبني على الأسس الفنية الذاتية، فلكل ثقافة ميزاتها وسننها وذاتيتها.
وأحسب أن التعامل مع التراث يجب أن ينبنِي على منهج نقدي، لا يجرّم بريئا، ولا يمنع إبداعا جديرا بصفته. كما أحسب أن المجددين لن يكونوا كذلك حتى ينطلقوا مما انتهى إليه من سبقهم، فيواصلوا البناء.. إن كانوا حقا يفهمون رسالة التجديد. وإلاّ فعمل أولئك وهؤلاء مسخ القديم والجديد معا. وعلى أي حال، فهذه هي واقعات الأيام. وكلّ يعمل على شاكلته، فيغني على ليلاه. ولله في خلقه شؤون.

About alzawraapaper

مدير الموقع