البغدادي عبد اللطيف الشواف

طارق حرب

طارق حربطارق حرب طارق حرب 

من العوائل البغدادية التي سكنت الجزء الغربي من بغداد أي الكرخ عائلة الشواف وكان عميد هذه العائلة الشيخ عبد العزيز الشواف والشيخ عبد الرزاق الشواف وكان لها مجلسان ثقافيان في النصف الاول من القرن العشرين الاول المجلس البغدادي الثقافي الذي كان عميده الشيخ طه الشواف والمجلس البغدادي الثقافي الثاني للشيخ عبد الملك الشواف وكانت هذه المجالس لآل الشواف من المجالس المتميزة ببغداد.
وعبد اللطيف الشواف كان قانونياً توارث المهنة عن عائلته وان كان بصراوي الولادة بحكم ذهاب عائلتهم من بغداد الى البصرة وعاد وعاش ومات في بغداد نهل من عائلته القانون والافتاء والعلم والادب فلقد كان جده القاضي المفتي طه الشواف عميد الاسرة وصاحب المجلس الثقافي الذي تقلد القضاء والافتاء وكان يشغل جهات التدريس في أماكن متعددة في الكرخ والرصافة وكان شاعراً فصيحاً توفي سنة 1910 ببغداد وعمه العلامة عبد الملك الشواف صاحب المجلس الثقافي الذي تخرج عليه كثير من الادباء الفضلاء درس في المدرسة القادرية في الحضرة الگيلانية والافتاء بالبصرة والقضاء ببغداد وكان رئيس مجلس التمييز الشرعي ببغداد المتوفى سنة 1953م ووالده علي الشواف وابن عمته الشاعر الكبير خالد الشواف الذي عرف بريادته للشعر المسرحي وهو ابن القاضي عبد العزيز الشواف ومن عائلته القاضيان راشد الشواف وماجد الشواف والمحامون سلمان وداود وجميل وخالد والوزير الطبيب محمد الشواف.
ولادته كانت في البصرة ودرس في مدارسها ثم انتقل الى بغداد للدراسة في كلية القانون ببغداد وبعد اكمال الدراسة عين قاضياً سنة 1947م ومدير القسم القانوني في مديرية لاستيراد حيث الشاعر بدر شاكر السياب والفنان الاديب نوري الراوي وعين وزيراً للتجارة في انقلاب 14 تموز 1958م وبعد فترة قليلة استقال من الوزارة لينصرف الى المحاماة لكنه تم تعيينه لفترة قليلة محافظاً للبنك المركزي وشارك في كثير من اللجان والهيئات الخاصه بالاقتصاد والقانون غير ان القانون والتفقه فيه كان مطلبه والادب كان هوايته فقد كان حافظاً للشعر وجال في تراث المقامات فكان خبيراً تراثياً يوازي المنزلة التراثية البغدادية للشيخ جلال الحنفي وشعوبي ابراهيم. كنا اذا رأيناه بشعر مجعد اجتاحه الشيب بعينين واسعتين ونظارات زجاجية بأنف طويل وشارب رقيق متوسط الطول رشيق سريع في سيره بذاكرة قوية ثاقب الرأي فهو قانوني مكين واقتصادي خبير وبترولي قدير وأديب مبدع.
اهتم الشواف بتعديل قانون نقابة المحامين بما يضمن العيش الكريم للمحامين و الراتب التقاعدي وجعل التحقيق بيد المحققين العدليين وصفه أحدهم عندما كان قاضيا فقال: مع ان الشواف يوم تولى القضاء كان شاباً غير ان اتزانه وثقافته وضبطه للمحكمة كانت تمنحه مهابة تتجاوز سني عمره. وكان يردد في مجالسه الخاصة الطرفة عن جده عندما كان طالباً وراجع دائرة الاوقاف فلم تجبه الى طلبه وكيف انه اراد تسليم نقود عثمانية الى محاسب الدائرة فرفضوا استلامها بذريعة كسادها وقال ابيات من الشعر انتشرت ببغداد لطرافتها وهي:-
قل لأمير المؤمنين الذي
قد عمنا بالجود واللطف
درهمه أضحى وديناره
في سوق بغداد لدى الصرف
أذل من طالب علم أتى
لحاجة دائرة الوقف
وبذلك جمع حاله وحال العملة وما وصلت اليه أوضاع الدولة العثمانية.
لم تكد تخلو أمسية من أمسياته في النادي وفي أي موضع عام عن الادب والقانون والاقتصاد فهو لا يشغل نفسه بغير العلم والثقافة والمعرفة والادب وغيرها لا تساوي سوى نقير عنده اذ خلق كذلك فلا يطيب له الاشتراك أو الاستماع لغير هذه الاحاديث وكان يعلق على الادباء ورجال التراث في تلك الفترة امثال الشاعر حافظ جميل وجعفر الخليلي والمسرحي الكبير حقي الشبلي والتراثي جلال الحنفي مع مسحة من المرح والبهجة التي لا تفارقه حتى في الجاد من المسائل ولا نقول جديداً اذا وصفناه بأحد ظرفاء بغداد المذكورين في تاريخها وكم كان متذكراً للمجالس البغدادية الادبية والثقافية اذ يروي عنها الكثير ولقد اختار أن يكون مكتبة للمحاماة في عمارة مرجان الكائنة في ساحة التحرير اذ لهذه البناية ما ليس في سواها من حيث اطلالتها وتاريخها ومكانها مما لم يكن موجودا في أغلب مكاتب المحاماة التي توزعت على شارع الرشيد وكان كريم النفس في اعطاء المشورة والرأي على الاستفسارات والمشاكل كل ذلك مجاناً وبلا مقابل وكان كتابه ( شخصيات نافذة) بمثابة ترجمة لحاله وحال من ذكره فيه وهذا لم يأت على ما يماثله من الكتب التي تناولت ما تناوله الكتاب فلقد كان الابلغ والادمغ عن سواه ولا نغمط حق هذا المحامي في الدراسات والمباحث القانونية والبترولية والاقتصادية خاصة تلك التي وردت بناء على طلب منظمات أو هيئات وكان له رأي وقول في الدساتير التي صدرت بالعهد الجمهوري ببدايته بحيث كان ما يكتبه له صدى في الواقع العربي وليس العراقي فقط وتراه يذكر شيئا عن شخصيات شغلت العامة والخاصة وارباب المقام واصحاب الغناء منها ايراده رؤيته (صندوق أمين البصرة) الافندي المذكور في الاغنية الشعبية المعروفة حيث يوصفه عندما شاهده زمن كان في البصرة (رأيت صبري أفندي أواخر الاربعينات وكان في أواخر عمره ممشوقاً حسن الصورة يضع على رأسه الطربوش العثماني الاحمر) يؤكد في كتاباته الاقتصادية على المبادئ الخاصة بالموضوع ويؤكد في كتاباته القانونية على الاسباب الموجبة أو المذكرة الايضاحية له اذ هنالك يكمن تفسير القانون وتطبيقه واستنباط أحكامه وقواعده لقد كان عبداللطيف الشواف انموذجا لرجل العلم.

About alzawraapaper

مدير الموقع