الانقسامات تعصف بـ ”نيويورك تايمز”

واشنطن/متابعة الزوراء:
قد تكون «نيويورك تايمز» واحدةً من أبرز الصحف في العالم في تغطية قضايا حقوق الإنسان والثقافة والعرق والجنس عبر صفحاتها. لكنّ التعامل مع هذه القضايا، داخل أروقة الصحيفة، يبين خللاً في طريقة الإدارة وانقسام كبير بين صحفييها والعاملين فيها، وهو ما تكشف عنه شبكة «سي أن أن» في تقريرٍ تحدّثت فيه مع 8 موظفين من الصحيفة من دون ذكر أسمائهم.
فمنذ ديسمبر/ كانون الأول الماضي، أعلنت الصحيفة مغادرة 3 من صحافييها، اثنان منهم برزا واشتُهرا بعملهما فيها، ما فتح الأبواب على وسعها لانتقادات داخليّة وخارجيّة في التعامل البنيوي مع الصحافيين ومواضيعهم وفي نظام المحاسبة والعقاب داخلها، تحديداً في ما يتعلّق بالعنصريّة والمهنيّة. كما فتحت هذه الحوادث صفحاتٍ للصراع الداخلي بين مجموعةٍ تدعو إلى وضوحٍ أكبر في المنهجية والتعامل مع الصحفيين عندما يرتكبون أفعالاً تحتاج إلى عقاب، وبين آخرين يرون أنّ في الصحيفة «ثقافة إلغاء»، هذا عدا عن انتقاد الجمهور لها ولأدائها. كلّ ذلك، أدّى إلى اشتباكات بين الموظفين، بينها علنيّة وأخرى مستترة، وأخرى ساحتها «فيسبوك» و»تويتر»، بحسب «سي أن أن».
وأثار الإعلان، الاسبوع الماضي، عن مغادرة اثنين من الصحفيين البارزين في «نيويورك تايمز» مستويات «غير مسبوقة من الانقسام والجدل» داخل غرفة الأخبار، حيث «يتصارع» الموظفون بعضهم مع بعض وحتى عبر «فيسبوك» و»تويتر». ويدور الانقسام حول أسئلة هامّة: ما هو أفضل إجراء يمكن اتخاذه عندما يواجه صحفيو «نيويورك تايمز اتهامات بانتهاك بعض المبادئ الأساسية التي تتبناها الصحيفة؟ ولماذا لا تتخذ قيادة الصحيفة قراراً بشأن أفضل مسار للعمل في أي حالة معينة ثم تلتزم به بمجرد اتخاذه؟ لا توجد إجابة واحدة تناسب الجميع، لكن الافتقار إلى الشفافية من كبار المسؤولين في الصحيفة حول كيفية اتخاذ مثل هذه القرارات أحبط الموظفين وأضعف معنويات قطاع كبير من غرفة الأخبار، حسبما قال العديد من العاملين فيها. كما أثار تساؤلات حول قيادة الصحيفة ومدى استعدادها لمواجهة مثل هذه التحديات، فقال أحد الموظفين لـ»سي أن أن»: «إنها كارثة حقيقية».
والصحفيان اللذان استقالا أخيراً هما دونالد جي ماكنيل جونيور وآندي ميلز، ولكلاهما قصّة منفصلة عن الآخر، لكنّهما أثارا مستويات متشابهة من الجدل والغضب. فماكنيل، وهو مراسل الصحة والعلوم منذ فترة طويلة وبرز نجمه أثناء تغطيته لوباء كورونا، غادر الصحيفة بعد أسبوعين من كشف «ذا ديلي بيست» أنه أدلى بتعليقات عنصرية أثناء عمله مرشداً للطلاب خلال عام 2019 ضمن رحلة إلى البيرو. وكانت الصحيفة أعلنت أنّها عاقبته سابقاً، لكنّ احتجاجاتٍ داخلية وتساؤلات عن نوعية العقاب أدت إلى مغادرته بعدها بأيام.
أما ميلز، وهو صحفي المدونات الصوتية الذي كان له دور فعال في إنشاء «ذا ديلي»، فقد غادرها بعدما تبين أن بودكاست «الخلافة»، الذي أنتجه، تشوبه عيوب خطيرة، أي أنّه مختلق وبُني على رواية مقاتل وهمي من تنظيم «داعش». وقد أدى الكشف عنها إلى إعادة التركيز على المزاعم السابقة بسوء السلوك التي اعترف بها واعتذر عنها. الصحيفة كانت قد نحّت مذيعة البرنامج روكميني كاليماتشي، الحاصلة على جائزة «بوليتزر» العريقة 4 مرات، عن ملف الإرهاب الذي تتابعه منذ سنوات، والتي اعتذرت عن تلك الأخطاء في البرنامج الصوتي الذي حصد جوائز أيضاً.
وعلى الرغم من اختلاف القضيّتين، إلا أنّ القاسم المشترك بينهما هو دراية صحيفة «نيويورك تايمز» المسبقة بسلوك الصحفيين، ومع ذلك أبقتهما ودعمتهما إلى حين انفجرت القضيتان بشدة فتخلّت عنهما. فقد كانت الصحيفة عاقبت ماكنيل على سلوكه عام 2019، فيما كانت على دراية بسوء سلوك ميلز عندما بدأ العمل فيها عام 2016. وبعدما واجه ماكنيل وميلز تدقيقاً جديداً على أفعالهما السابقة، وظهور معلومات جديدة من الرأي العام، لم تعد الصحيفة مرتاحةً لوقوفها إلى جانبهما، فغادرا عبر الاستقالة. لذا، كان التغيير الظاهر بمثابة وقود لما أصبح اليوم نقاشاً محتدماً يجتاح الصحيفة.
وحول هذا الجدل، قالت المتحدثة باسم الصحيفة إيلين ميرفي لـ»سي أن أن»: «بالنسبة إلى مثل هذه الحالات، فإن مهمة قيادتنا هي التحقيق بشكل كامل لمعرفة ما حدث بالضبط وما ينبغي فعله حيال ذلك. غالباً ما تظهر معلومات أو مخاوف جديدة بعد أن تصبح هذه الحالات علنية. نحن نعمل على هذه القضايا كما نفعل في صحافتنا، ونحاول أن نبذل قصارى جهدنا، مع التركيز على الحقائق، وسياسات الشركة وقيمها (الاستقلال والنزاهة والاحترام) مركزيّة في قراراتنا».
لكن الافتقار إلى الشفافية في هذه المسألة لم يهدئ التوترات داخلياً، وساهم غياب التفاصيل الملموسة في خلق بيئة يتوصل فيها العديد من الموظفين إلى استنتاجات تستند إلى أجزاء من المعلومات. إذ تعتقد مجموعة من الصحفيين داخل «نيويورك تايمز» أن المغادرين يمثلان رمزًا لما يسمى «ثقافة الإلغاء» في الصحيفة، حيث تلبي الإدارة ما يصفونه بـ»أقلية من الموظفين «المستيقظين» الذين أثاروا مخاوف بشأن ماكنيل وميلز». ويشير هؤلاء الموظفون إلى رسالة ورد أن 150 من زملائهم وقعوا عليها يطلبون فيها من الإدارة العليا إعادة تقييم سلوك ماكنيل. لكن الموظفين الذين يشكلون الجناح المعارض في الصحيفة يرفضون بشدة هذه التسمية، ويؤكدون أن رسالتهم دعت ببساطة إلى المساءلة وطالبوا بالشفافية بشأن كيفية اتخاذ القرارات الرئيسية. كما رفض الموظفون رواية «إلغاء الثقافة» التي سادت، وقالوا إن التغطية الإعلامية كانت مركزة للغاية على تصرفات ماكنيل لعام 2019 وليس عدم ندمه لاحقاً.

About alzawraapaper

مدير الموقع