الإيثار في الأزمات لدى العراقيين

يحيى الزيدي

يحيى الزيدي

يعيش أهالي البصرة الكرام ازمة «مياه» خانقة، نجم عنها الكثير من المعاناة الحقيقية لديهم .
البصرة .. هذه المحافظة العريقة التي يمتد خيرها الى كافة محافظات العراق، والى كل مواطن في هذا البلد، فهي الشريان الاقتصادي المغذي والكبير للعراق .
نعم.. عطشت البصرة وصدحت حناجر أبناؤها بما حل بهم وبمدينتهم.. وأصبحت أزمتها أمام انظار الجميع ، وتنتظر هذه المحافظة حلولاً جذريةً لا ترقيعية لأزمة المياه التي تتفاقم عاما بعد آخر.
لا أريد في مقالي هذا أن أسرد ما جرى من تظاهرات وأحداث شهدتها البصرة مؤخراً … لكني أريد أن أتحدث عن صور جميلة من صور الإيثار التي قام بها المواطنون تجاه أهالي البصرة الكرام .
وقبل الانتقال للحديث عن صورة من صورالإيثار لا بد أن نقف قليلا لنعرف معنى «الإيثار».
الإيثار.. هو تفضيل المرء غيرَه على نفسه، وأن يقدم الإنسان حاجة غيره من الناس على حاجته، برغم احتياجه لما يبذله، فقد يجوع ليشبع غيره، ويعطش ليروي سواه، ويتعب ليريح اخر.
والإيثار هو عكس الأنانية، ويختلف في معناه عن الولاء أو الواجب.
ومفهومه يتمركز حول الدوافع التي تقود لـ«عمل الخير» للآخرين دون مقابل، بينما يتمركز مفهوم الواجب حول الإلتزام الأخلاقي أو المهني تجاه شخص ما، أو مؤسسة أو مفهوم مجرد (كالواجب الوطني).
هنا نقف عند الصورة الاولى من «الإيثار» لدى المواطنين تجاه أهالي البصرة الكرام.. عندما سمع المواطنون وشاهدوا ما حل في البصرة من أزمة مياه خانقة، فكروا بطريقة رائعة كيف يتضامنون من خلالها مع أهاليهم في البصرة.. فبدأ المواطنون في كل المحافظات بالتبرع بالماء وشحنه وايصاله الى أهالي البصرة.. نعم قد يكون ما أوصلوه الى أهالي البصرة لا يكفي لاستمرار حياتهم بشكل طبيعي، ولانختلف على ذلك .. لكن ما قام به أهاليهم في المحافظات كان صورة رائعة من صور الإيثار والشعور الحي بمعاناتهم.
اما الصورة الثانية من صور «الإيثار» هو ما قام المواطنون الكرام في بعض المحافظات لاسيما العاصمة بغداد للخروج بتظاهرات سلمية مؤيدة لمطالب أهالي البصرة ، وهذه صورة من صور التلاحم في «السراء والضراء» بين ابناء البلد الواحد.
اما الصورة الثالثة الرائعة والكبيرة هي لـ«السلطة الرابعة».. نعم فالصحفيون والاعلاميون العراقيون وقفوا وقفة جادة ومشرفة مع اهالي البصرة ، ونقلوا معاناتهم عبر وسائلهم الاعلامية المنتشرة في العراق، التي بدورها نقلت حقيقة معاناتهم بكل صدق ومهنية.
فالصحفيون العراقيون سبّاقون في تغطية ونقل كل مجريات واحداث البلد.
بعد الحملة الكبيرة التي قام بها المواطنون والصحفيون، وتضافر الجهود بين القوات الامنية وابناء العشائر، في محافظة البصرة ، سيتم ان شاء الله وضع الحلول السريعة والدائمة لانهاء ازمة المياه في المحافظة .
يقول رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
بالعودة الى الإيثار.. ان أعلى درجاته رضا الله على رضا غيره وإن عظمت فيه المحن وثقلت فيه المؤن .
ومن ثمار الإيثار الرائعة .. انتشار التعاون والتعاضد بين ابناء البلد، وشعور الفرد خاصة «المحتاج» أن ابناء جلدته لُحمةً واحدة وكيان واحد، وهذا الكلام ينطبق تماما على الأسرة إذا مارس أفرادها هذا الخلق العظيم، فإنه ولا بد سيزيد من الترابط بينهم.
عندما هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة، كانوا لا يحملون من متاع الحياة سوى ثيابهم البالية، وأجسادهم المنهكة، وثقتهم بموعود الله، فوقف الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم محدثا الأنصار قائلًا لهم: (إخوانكم تركوا الأموال والأولاد، وجاءوكم لا يعرفون الزراعة، فهلا قاسمتموهم ؟) قالوا: نعم، يا رسول الله! نقسم الأموال بيننا وبينهم بالسوية، فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أوَ غير ذلك؟ قالوا: وما غير ذلك يا رسول الله؟ قال: (تقاسموهم الثمر، قالوا: نعم يا رسول الله، بم؟ قال: (بأن لكم الجنة). وفيهم نزل قول الله تعالى: { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ }.
نعم هناك الكثير من صور الإيثار في بلدنا لا يستطيع احد ان ينكرها، او يقصيها، لانها ولدت معنا بالفطرة وتعايشت وتغذت بقيم ديننا الحنيف، وانسانية مجتمعنا الكريم .
واخيراً .. يقول جبران خليل جبران «ليس الجود أن تعطيني ما أنا أشدّ منك حاجة إليه ، وإنما الجود أن تعطيني ما أنت أشدّ إليه حاجة مني».

About alzawraapaper

مدير الموقع