الأزمات الاقتصادية في تجارب الدول

جمال بنون

جمال بنون

في الأزمات الاقتصادية، أحياناً تحتاج إلى بعض التجارب، سواء من شركات منافسة أم دول أخرى مرت بالتجربة نفسها واستطاعت أن تتغلب عليها، وخرجت من المأزق وعبرت بأمان. وربما تستفيد من الأخطاء التي وقعت فيها دول أخرى، فتتجنبها في خطواتك حتى لا تقع فيها، على سبيل المثال؛ إسبانيا كانت إحدى أكثر بلدان منطقة اليورو تضرراً من الأزمة المالية العالمية، وخلال هذه السنوات عملت بجهد خارق حتى تتمكن من الخروج من أزمتها، وبالفعل حققت تعافياً ملموساً ونما اقتصادها بما يزيد على ثلاثة في المئة، خلال عامي 2015 و2016، ويتوقع نمو إجمالي الناتج المحلي هذا العام ليصل إلى المستوى الذي كان عليه قبل الأزمة، وتمكن أكثر من 1.5 مليون عاطل عن العمل من الحصول على وظائف. فماذا فعلت إسبانيا للخروج من أزمتها؟
نفذت إصلاحات حاسمة في 2011 و2013 من تدابير تكفل المرونة في سوق العمل، فساعدت الاقتصاد الإسباني في استعادة قدرته التنافسية وتوفير فرص العمل، بينما أدت الإصلاحات المصرفية إلى زيادة صلابة القطاع، كما أجرت حزمة من الإصلاحات، منها انخفاض أسعار النفط وأسعار الفائدة، وبفضل انتعاش الصادرات حققت إسبانيا فوائض في الحساب الجاري على مدى أربع سنوات، وعلى رغم هذه الإصلاحات فإن إسبانيا ماتزال تعاني من أزمتها التي حلت بها، وهي ماتزال تجري مزيداً من الإصلاحات.
أما في ألبانيا، التي أوشك النمو الاقتصادي فيها أن يتوقف تماماً في 2013، إذ أدت الأزمة الاقتصادية في 2008 إلى خفض الطلب من اليونان وإيطاليا، ما أدى إلى ارتفاع الدين العام بشدة، وتراكمت المتأخرات نتيجة البذخ وقت الانتخابات، ولمعالجة الأزمة واستعادة النمو الاقتصادي، حصلت ألبانيا على قرض من الصندوق الدولي في 2014، وفي شباط (فبراير) الماضي أظهرت زيارات صندوق النقد الدولي أن اقتصاد ألبانيا بدأ يتجاوب مع الإصلاحات التي نفذتها، كما يتوقع تعافي النمو الاقتصادي إلى 3.8 في المئة هذا العام، في مقابل 3.4 في 2016، بحيث قامت بإصلاح نظام معاشات التقاعد وقطاع الطاقة، والإصلاح في الإدارة المالية والإدارة الضريبية، وأدت الإصلاحات إلى زيادة الأجور ومعاشات التقاعد وتوفير مزيد من فرص العمل، وأطلقت مبادرة لإصلاح القضاء.
من التجارب لمعالجة الأزمات الاقتصادية ما حدث في الأرجنتين، حين حصلت لديها اختلالات وتشوهات اقتصادية قبل عامين، ووصلت مستويات الاستهلاك إلى مرحلة عالية، ودرجة لا يمكن الاستمرار في تحملها، وبلغ الاستثمار أدنى مستوياته، ولمعالجة هذه المشكلة اتخذت الحكومة الأرجنتينية خطوات جريئة، وذلك بإلغاء الضوابط على النقد الأجنبي، والسماح بتعويم سعر الصرف، وإزالة القيود على الحصول على العملات الأجنبية، كما ألغت الضرائب على الصادرات، عدا فول الصويا، الذي خفضت ضرائبه، وسعت إلى مقاضاة الدائنين الذين يعرقلون إعادة هيكلة دين الأرجنتين، واستعادت القدرة على دخول سوق الائتمان.
أحد التحولات الاقتصادية التي يمكن أخذها في الاعتبار وتجربة تستحق الاهتمام، هو ما أشار إليه أحدث تقرير لصندوق النقد الدولي، وهي العلاقة التي توطدت بين الصين وأفريقيا خلال العقدين الماضيين، ما أدى إلى سرعة نمو طلب الصين على المواد الخام من أفريقيا، وارتفاع التبادل التجاري بين المنطقتين إلى أكثر من 40 ضعفاً، وقفزت حصة الصين من صادرات أفريقيا من 1.6 في المئة عام 1995 إلى 16.5 في المئة عام 2015. الصادم الآن أن نمو الصين يسير ببطء، كما أن دوافع نموها آخذة في التحول من الاستثمار والصادرات إلى الاستهلاك المحلي (استعادة توازن النمو). هذا التحول كان له تأثير كبير في الدول المصدرة للمواد الأولية، وهو ما أدى إلى خفض صادرات أفريقيا إلى الصين، وتراجع دخلها من 108 بليون دولار إلى 48 بليون دولار، كما انخفضت إيرادات حكومات البلدان التي كانت تعتمد على السلع الأولية، ما دفعها إلى خفض الإنفاق العام، بما فيه الإنفاق على البنية التحتية والخدمات الاجتماعية، في مقابل ذلك وسعت المشاريع والمؤسسات المالية الصينية نطاق استثماراتها المباشرة وقروضها في أفريقيا.
من أحدث التجارب التي يراها صندوق النقد الدولي أنها نماذج مفيدة لمجموعة البلدان المصدرة للنفط أو السلع الأولية، تجربة المملكة العربية السعودية بعد الهبوط الحاد في أسعار النفط، إذ لم تقف الحكومة مكتوفة الأيدي للتفرج على دخلها يتراجع ومواردها المالية تجف، ورسمت خططاً لعملية تحول جريئة في اقتصاد البلاد، ووضعت رؤية 2030 وبرنامج التحول الوطني بهدف تنويع مصادر الدخل وإيجاد فرص عمل في القطاع الخاص، واتخاذ خطوات لتحقيق التوازن في الموازنة العامة، وتعزيز القدرات الاستثمارية، وفي هذا الشأن سعت إلى تعميق السيولة في الأسواق الرأسمالية وتدعيم دور أسواق سندات الدين. يقول صندوق النقد الدولي إن السعودية إلى وقت قريب لم تكن في حاجة إلى الاقتراض، لأنها لم تواجه أية فجوات كبيرة في التمويل، إلا أن تراجع الإيرادات المحصلة نتيجة هبوط أسعار النفط أدى إلى عجز في المالية العامة، ولضمان الاستقرار الاقتصادي انتهجت ركيزتين مهمتين؛ الأولى الاعتماد على الاحتياطات الكبيرة في المالية العامة، والأمر الآخر اقتراض أموال بإصدار سندات دين، وبحسب تقرير صندوق النقد فإن إنشاء مكتب إدارة الدين هو أولى الخطوات نحو تطوير أسواق المال وتأمين حاجات السعودية من التمويل، باستخدام أفضل طريقة للجمع بين التكاليف والمخاطرات على نحو يتوافق مع سياسات الحكومة.
في العالم أزمات اقتصادية تشبه حبة «الضومنة»، إذا سقطت واحدة تتوالى معها حبات أخرى، فتتهاوى جميعها، إلا من استطاع أن يحمي نفسه، وهو ما حدث في 2008 حين تهاوت الأسواق واقتصادات الدول. وهناك أزمات اقتصادية تحدث للبلدان التي لديها خلل في إدارة مواردها، أو ليس لديها تخطيط مسبق للأزمات، إنما الاستفادة من تجارب الآخرين تخلق وعياً اقتصادياً وقابلاً لتلقي الصدمات.

About alzawraapaper

مدير الموقع